سيكولوجيا التّطبيع (2): “إسرائيل” حاجة سعوديّة داخليّة!علي شهاب

علي شهاب

ما هي “الثغرات” النفسيّة الّتي ولجت منها “إسرائيل” إلى العائلة الحاكمة السعوديّة؟

سيكولوجيا التّطبيع (2): "إسرائيل" حاجة سعوديّة داخليّة!

  • يمكن تحديد مصالح مشتركة كثيرة سعوديّة إسرائيليّة في السّياسة والاقتصاد

تقدّم جامعة “تل أبيب”، التي تضمّ 9 كليات وأكثر من 30 ألف طالب، وتندرج في قائمة أفضل 20 مؤسّسة علميّة عالمياً، مادة سياسيّة حول “تشكّل” الشرق الأوسط في القرن الـ20. المادّة التي يحاضر فيها البروفيسور آشر سوسر، الباحث في مركز “موشيه دايان”، تخوض في صعود أهمّ اللاعبين في المنطقة. المحاضرة الخاصَّة بالسعودية عنوانها “الاستقرار المفاجئ للعروش العربيّة”.

هذا الاستقرار “المفاجئ” للمملكة يفسّر الكثير من الأداء السياسي الخارجي لدولة تتبع كلّ كلمة تُكتب ضدها في شبكات التواصل بهدف قمعها وحظرها، بحسب ما كشفت عنه تقارير ألمانيّة في العام 2019. تابعت دعاوى قضائية ضدّ موظّفين سابقين في “تويتر”، بعد تلقّيهم أموالاً من الرياض للتجسّس على منتقدي المملكة والناشطين المعارضين لها.

فما هي “الثغرات” النفسيّة الّتي ولجت منها “إسرائيل” إلى العائلة الحاكمة السعوديّة؟

يكمن جزء من الجواب في المادة الأكاديمية التي توفّرها جامعة “تل أبيب” لطلابها: البنية الثقافية – الاجتماعيّة الّتي يستطيع من خلالها “آل سعود” الحفاظ على استقرار البلاد، أي القبليّة.

شبكة من العلاقات الداخلية، وفق المبادئ القبلية، هي التي أدت إلى تأسيس المملكة والحفاظ على شكل الحكم فيها تاريخياً. في الجانب “الاجتماعي”، هذا الأمر مفهوم، لكنه في علم النفس يمتلك دلالات عميقة، إذ إنَّ فهم السياسة الخارجية للسعودية، ومنها التطبيع مع “إسرائيل”، يحتاج إلى فهم السّمات النفسيّة للفكر القبليّ.

السّمات النفسيّة والاجتماعيّة للحكم السّعودي

علّق المتحدّث باسم مجموعة “أم بي سي” على قرار إنتاج مسلسل “مخرج 7” وعرضه، وما أثاره من جدل حول تمهيد السّعودية لتطبيع العلاقات مع “إسرائيل”، بأنّ المجموعة “تحاول بلسمة الجراح وتقريب الناس من بعضهم البعض”. 

بغضّ النظر عن خفَّة هذا الرأي، فإنّه يعبّر عن كثيرين من جيل الشّباب، وخصوصاً في المملكة السعودية، ممن يظنّون أنّ القضايا الإقليمية لا يجب أن تكون في أولوية اهتماماتهم، وأن على الحكومة فعل أيّ شيء يعزز رفاهية الشعب السعودي، بعيداً من الصراعات.

حين تكوّنت السلطة في السعودية مع نشوئها، كان السبب المباشر حماية الحكم من مكوّنات السلطة نفسها! فالتحالف الذي أرسى أركان المملكة ما بين عشائر ورجال دين صار بحاجة إلى عدو خارجي مع مرور الزمن، ليضمن استمرارية الحُكم، بسبب غياب مشروع داخلي قادر على مواكبة الحداثة الفكرية والتطوّر الاجتماعيّ والثقافي.

العداء مع إيران هو أحد أوجه هذه الحاجة لضمان استقرار الداخل السعودي، فالروابط بين مكوّنات المجتمع تشتدّ عند الاجتماع على خطر خارجي (مقدمة ابن خلدون). وفي حالة السعودية، اتخذت هذه الروابط أشدّ أشكال العصبية المستندة إلى عوامل الدّين والعرق والدم. يمكن ملاحظة هذه العوامل بوضوح في خطاب السعوديين أنفسهم تجاه “الفرس” الذين تُنزع عنهم كلّ سمة إنسانيّة.

ولكنّ المعضلة التي يمثلها “العدو” الإيراني تكمن في كونه لم يُهزم! ومع صمود “العدوّ”، تصبح الروابط الداخلية في المملكة أشدّ قابلية للوهن والضعف، فيميل عندها العقل الحاكم إلى التشدّد وممارسة “الحزم”، خشية تفكّك الروابط. وفي مسار موازٍ، يحتاج الحُكم في مرحلة “الحزم” إلى “تنظيف” السّلطة كي يضمن الولاء، ولا يكرّر خطر الارتهان إلى روابط اجتماعيّة لا يمتلك السّيطرة عليها.

تفرض السّلطة سطوتها في هذه المرحلة بالأدوات التقليدية نفسها: التعليم والإعلام والقوة، وهذا هو ثالوث الحُكم لدى ولي العهد محمد بن سلمان، وهذا هو سبب اجتماع الرأي العام العالمي، بما فيه الحليف للسعودية، على اعتباره “أخطر رجل في العالم”.

من سخرية القدر أنّ “رؤية” ابن سلمان تصطدم، فضلاً عن صمود إيران، “العدو الخارجيّ” المصطنع الأوّل، بعناصر القوّة الخارجيّة التي دأبت المملكة على استخدامها للحفاظ على الاستقرار واستمراريّة الحُكم: الدّعم الأميركيّ – البريطاني.

فمع الانهيار التاريخي لأسعار النفط، وتحقيق دونالد ترامب صفقات خيالية مع الرياض قد لا تتكرّر، ومع دخول روسيا بقوة إلى المشهد المحيط بالمملكة، وظهور “كوفيد 19” الذي يهدد الرؤية الاقتصادية للسعودية، مع كل هذه العوامل، لن يكون بمقدور محمد بن سلمان تأمين حُكمه بالاعتماد على ثالوث “التعليم والإعلام والقوة” فقط، فالتعليم سُرعان ما يتراجع دوره مع إدراج مقرراته كافة ضمن المناهج، والإعلام لعبة سطحية مكشوفة في زمن شبكات التواصل. وحدها القوة تحتاج دوماً إلى فائض. وبما أنَّ السعودية لا ينقصها المال والسلاح، فالقيمة الإضافية المفيدة تكمن في “الاستخبارات” لتثبيت دعائم الحُكم.

ومَن أفضل من “إسرائيل” في مجال الاستخبارات، وخصوصاً بعد أن صارت التكنولوجيا ركيزة من ركائز هذا المجال؟

يمكن ببساطة ملاحظة هذا الجانب في مسارعة ابن سلمان إلى إرسال موفده للقاء الإسرائيليين قبل أعوام قليلة، لشراء تقنية “بيغاسوس” للتجسّس وتشديده على الحصول على أفضل تقنيّات متوافرة عالمياً. 

والجدير ذكره أنّ العدد الأكبر من عمليات التجسّس التي قامت بها السعودية باستخدام التقنية الإسرائيليّة كانت داخليّة لا خارجيّة، كما قد يظنّ البعض، وهذا ما تكشفه شركات الأمن الرقمي التي تحقّق في القضيّة منذ أعوام.

يمكن تحديد مصالح مشتركة كثيرة سعوديّة إسرائيليّة في السّياسة والاقتصاد، وفي مواجهة “العدوّ الإيرانيّ المشترك”، ولكنّ الحفاظ على استمرارية الحُكم بالنسبة إلى آل سعود هو السّبب النّهائي الَّذي يفسّر سياساتهم الخارجيّة.

لقراءة الجزء الأول من المقال: سيكولوجيا التطبيع (1): كيف نجحت “إسرائيل” في اختراق السعودية؟علي شهاب
 

Written by 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.