«المتحضرون» … و«المتخلفون»!!بقلم ـ د. مهدي دخل الله


صورة أولى: رئيس أعظم دولة في العالم يرفض مصافحة رئيسة برلمان الدولة ذاتها فتقوم بتمزيق خطابه أمام أعين الكاميرا التي تنقل «الحدث» إلى مئات الملايين من البشر في أنحاء العالم كافة..
صورة ثانية: أرقى شوارع أوروبا, «الشانزيليزيه» الباريسي, يشهد منذ أشهر تظاهرات واحتجاجات عارمة مملوءة بالعنف من الجانبين, جانب المتظاهرين الذين يحطمون المحلات والسيارات وغيرها من الممتلكات الخاصة و العامة, وجانب الشرطة (أي الدولة) التي تقمع التظاهرات بوحشية واضحة..
هل تريدون صوراً أخرى تشرح تماماً «السلوك» الحضاري لدى المجتمعات المتطورة؟.. هي صور كثيرة لا شك..
ما رأيكم مثلاً, بحوادث ظهرت قبل عقود عددها أقل من أصابع اليد؟ الحديث هنا عن حربين عالميتين بين «الدول المتحضرة» بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وأمريكا واليابان؟. هل هناك حاجة للتذكير بالدمار المريع الذي طال الجميع؟.. أم بملايين القتلى «المتحضرين», تسعون في المئة منهم مدنيون, نساء وأطفال وشيوخ؟.. وتشير الإحصاءات إلى أنه في فترة (1945 – 1947) اغتصب «المتحضرون» من جنود الحلفاء ملايين الفتيات الصغيرات من الألمان «المتحضرين»؟..
هل نتذكر قنابل «النابالم الحارق» التي رماها «المتحضرون» الأمريكيون على «المتخلفين» الفييتناميين, أم القنابل النووية التقليدية التي رماها «المتحضرون» أنفسهم على «المتخلفين» العراقيين؟..
هل لدى أحد إحصائية دقيقة عن الأموال والجهود العلمية التي يصرفها «المتحضرون» سنوياً لتطوير أسلحة تقتل أكبر عدد من الناس بأقل تكلفة ممكنة وتترك أكبر قدر من الدمار بلمح البصر, في الوقت الذي يقولون فيه: إنهم لا يملكون المال لبحوث السرطان مثلاً؟..
لو أن قادة دول «متخلفة» سلكوا سلوكاً أقل ما يقال فيه إنه قلة أدب وذوق كما فعل ترامب وبيلوسي, ماذا سيقولون عنهم؟ وكيف سيهجونهم؟..
عنف «الشانزيليزيه» هو في مجتمع «متحضر» وليس في شارع العطارين (الخرطوم) أو في أحد شوارع كراكاس أو أكرا أو كلكوتا؟..
أي «تحضر» هذا في وقت يضطر فيه الإنسان العادي مواطن أغنى دولة في العالم, الولايات المتحدة, إلى العمل الإضافي بعد الظهر كي يعيش (اقرؤوا كتاب الباحث الأمريكي ليستر ثورو) تماماً كما يفعل المواطن العادي في الدول الفقيرة «المتخلفة», في الوقت الذي تصرف فيه الدولة «الديمقراطية» الأمريكية مليارات الدولارات لقتل الناس وتدمير مدنهم شرقاً وغرباً, شمالاً وجنوباً..
اليوم ليس حديثي عن العبث في السياسة, وإنما اللامعقول والجنون بعينه. هل سمعتم أن مجتمعاً «متخلفاً» يركز جهوده على تطوير السلاح النووي؟ بهذه المناسبة أود إعطاء القارىء معلومة يعرفها الأمريكيون لكنهم لا يريدون التحدث عنها, وهي أن إنتاج السلاح النووي في إيران محرم شرعاً وفق فتوى أصدرها الخميني وأكدها الخامنئي, والضجة اليوم حول ما يسمى بالملف النووي الإيراني ليس هدفها منع إيران من سلاح لا تريد إنتاجه أصلاً, وإنما منع تسرب العلوم الحديثة إلى إيران, إضافة إلى معاقبتها لأنها معادية لـ«إسرائيل» وداعمة للمقاومة..

Written by 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.