الانتخابات الإسرائيلية 2019: التفاعلات الداخلية والانعكاسات الخارجية

محمود جرابعة, ليهي بن شطريت

جاءت الانتخابات الإسرائيلية لتؤكد هيمنة اليمين واليمين المتطرف على المشهد السياسي الإسرائيلي للسنوات الأربع المقبلة وربما أبعد من ذلك، ومن أبرز تداعياتها إضعاف خيار الدولتين وضم المزيد من أراضي الضفة فضلًا عن تصاعد احتمالات المواجهة مع إيران وحلفائها في سوريا أو لبنان.

جاءت نتائج الانتخابات لصالح قوى اليمين التي سترسخ هيمنتها على المشهد السياسي الإسرائيلي لسنوات قادمة (غيتي)

شكَّلت الانتخابات الإسرائيلية التي أُجريت في 9 أبريل/نيسان 2019، إلى حد ما، استفتاء على حكم نتنياهو كرئيس للوزراء والمستمر منذ العام 2009، حيث لم يضع أي من المرشحين الرئيسيين التسوية مع الفلسطينيين عنصرًا أساسيًّا في حملته الانتخابية. أظهرت نتائج الانتخابات فوزًا واضحًا لقوى اليمين واليمين المتطرف وهو ما سوف يرسخ هيمنتها على المشهد السياسي الإسرائيلي خلال السنوات القادمة. تعالج هذه الورقة تطبيقات نتائج الانتخابات المختلفة على الوضع الإسرائيلي الداخلي، وفرص التسوية السلمية مع الفلسطينيين، والعلاقات العربية-الإسرائيلية في ضوء التنازع الإقليمي مع إيران وحلفائها في المنطقة. تجادل الورقة بأن المجتمع الإسرائيلي يتجه أكثر من أي وقت مضى منذ توقيع اتفاق أوسلو، عام 1993، نحو اليمين وهو ما سيعمل على إذابة فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة مع تجاهل الدول العربية الفاعلة لذلك.

هيمنة اليمين

أفرزت الانتخابات الإسرائيلية هيمنة متزايدة لمعسكر اليمين الإسرائيلي مقابل انحسار واضح في معسكر اليسار الذي هيمن على السياسة الإسرائيلية قبل أكثر من عشرين عامًا. فقد حصل حزبا اليسار، العمل وميرتس، على 6 و4 مقاعد على التوالي، بينما كان الحزبان قد حصلا على 56 مقعدًا في عام 1992. لذلك، بات من المؤكد بعد ظهور نتائج الانتخابات النهائية، ظهور اتجاهين رئيسين في السياسة الإسرائيلية الحالية، يختلفان في المسائل الداخلية ويتفقان إلى حد كبير تجاه المواقف المتشددة واليمينية في التعامل مع القضية الفلسطينية.

يتشكل المعسكر الأول من حزب الليكود اليميني بزعامة بنيامين نتنياهو والذي فاز بـ 35 مقعدًا وتلقى دعمًا قويًّا قبل الانتخابات من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وغيرهم من القادة الأكثر يمينية في العالم. انحرف نتنياهو نحو اليمين أكثر مما كان عليه من قبل؛ حيث تقرب من أقصى اليمين وشكَّل تحالفًا انتخابيًّا مع حزب “اليمين المتحد” المتطرف (1). واتبع نتنياهو وحزبه في حملتهم الانتخابية الأخيرة، نفس التكتيكات التي اتبعوها في انتخابات عام 2015 والمتمثلة في شيطنة المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل والتحريض عليهم، من ذلك شن نشطاء الليكود حملة ممنهجة لترهيب الناخبين العرب عن طريق تصوير مراكز الاقتراع في الأماكن العربية بـ 1200 كاميرا مخفية (2)، وذلك من أجل تقليل نسبة مشاركتهم في الانتخابات(3). فارتفاع نسبة التصويت في الوسط العربي كان ممكن أن يمنع أحزاب يمينية صغيرة من تجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25% وهو ما كان سيؤثر على قدرة حزب الليكود من تشكيل حكومة جديدة (4). انقسم المواطنون الفلسطينيون، -وهم يعانون من خيبة أمل كبيرة من العملية البرلمانية الإسرائيلية- وممثلوهم في الكنيست إلى قائمتين، وانخفض تمثيلهم في الكنيست من 13 مقعدًا عام 2015 إلى 10 مقاعد في هذه الانتخابات، وتراجع معدل تصويت العرب من ما يقرب من 64 ? في انتخابات عام 2015، إلى حوالي 50 ? في هذه الانتخابات.

تشكل الاتجاه الثاني من حزب كاحول لافان الجديد، والذي يطلق عليه أيضًا حزب “أزرق أبيض” وذلك نسبة إلى ألوان العلم الإسرائيلي؛ حيث حصل على 35 مقعدًا وشكَّل أكبر نجاح في الانتخابات لحزب معارِض منذ أن بدأ نتنياهو رئاسته الثانية في عام 2009. أسس الحزب الجديد عدد من الجنرالات السابقين برئاسة بيني غانتس، رئيس الأركان السابق لـ”جيش الدفاع الإسرائيلي”، وتبنى برنامجًا سياسيًّا ضبابيًّا. فبينما أعلن الحزب الجديد عن استعداده لخوض مفاوضات مع الفلسطينيين ودعا إلى عقد مؤتمر إقليمي للسلام في الشرق الأوسط، غاب مشروع حل الدولتين عن البرنامج السياسي للحزب، وتمسك الحزب بمدينة القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، واستمرار السيطرة الإسرائيلية على غور الأردن، والحفاظ على الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية ورفض الانسحاب الأحادي من الضفة الغربية (5). وبالتالي، لم يتبنَّ الحزب الجديد أي نوع من التوجه الأيديولوجي الملموس الذي قد يميزه بوضوح عن الأحزاب اليمينية تجاه تسوية مستقبلية مع الفلسطينيين وذلك بهدف استقطاب الدعم الشعبي (6) من مؤيدي اليمين، وخاصة الشباب. 

تشير استطلاعات الرأي الحديثة في إسرائيل إلى اتجاه المجتمع الإسرائيلي، وخاصة فئة الشباب، إلى تبني مواقف يمينية بصورة متصاعدة وذلك منذ الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، في عام 2005. وتتمحور هذه الأيديولوجية اليمينية حول رفض السلام مع الفلسطينيين ومعارضة إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة أو أي انسحاب إسرائيلي من الضفة الغربية أو تفكيك المستوطنات (7). وبناء على مؤشر الديمقراطية الإسرائيلي، الذي يجريه معهد الديمقراطية الإسرائيلي، لعام 2018، أصبحت أفكار اليمين هذه تنتشر بصورة كبيرة ما بين الفئة العمرية 18-34 (d) بالمقارنة مع الفئة العمرية 35 عامًا وما فوق (G)؛ حيث يفضل غالبية هؤلاء الشباب دعم نتنياهو واليمين على غانتس. فقبل أسبوع واحد من الانتخابات، وجد استطلاع معهد الديمقراطية الإسرائيلي أن 65% من اليهود الإسرائيليين الذين تتراوح أعمارهم بين 18-24 عامًا، يفضِّلون فوز نتنياهو، و53% من اليهود الإسرائيليين الذين تتراوح أعمارهم بين 25-34 عامًا، يفضلون أيضًا فوز نتنياهو. في حين أن 17% فقط من الفئة العمرية الأولى (18- 24 عامًا)، و33% من الفئة العمرية الثانية 25-34 عامًا ، يفضلون منافسه، بيني غانتس(8)

جدول رقم (1): اتجاهات التصويت بين نتنياهو وغانتس قبل الانتخابات (3 أبريل/نيسان 2019) (9).

الفئة العمريةنتنياهوغانتس
18-2465%17%
25-3454%33%
35-4464%24%
45-5448%46%
55-6447%47%
65 53%53%

أما السبب الرئيسي لفوز حزب كاحول لافان الجديد بعدد كبير من المقاعد، فيعود إلى عدم الرضا بين أوساط إسرائيلية عديدة تجاه عهد نتنياهو الطويل، وقضايا الفساد العديدة المتهم بها وأسلوبه الشخصي المثير للانقسام؛ إذ حصل الحزب على دعم قطاعات متنوعة من الناخبين، من بينهم الناخبون اليساريون التقليديون (وخاصة أولئك الذين يصوتون عادة لحزب العمل وإلى حدٍّ ما ميرتس)، الذين رأوا في التصويت لصالح الحزب الجديد تصويتًا استراتيجيًّا وحيدًا لإسقاط نتنياهو. 

وبالرغم من حصول حزب الليكود وحزب كاحول لافان على عدد متساو من المقاعد، 35 مقعدًا لكل منهما، إلا أن الرئيس الإسرائيلي أوكل إلى نتنياهو مهمة تشكيل الحكومة بعدما أوصت غالبية 65 (من أصل 120 عضوًا يشكِّلون الكنيست) بترشيح نتنياهو لتشكيل حكومة جديدة. في هذه الحالة، سيكون أمام نتنياهو 28 يومًا لتشكيل حكومة جديدة مع إمكانية تمديدها لمدة أسبوعين إضافيين. ويتشكل جميع أعضاء الكنيست الداعمين لنتنياهو من أحزاب اليمين واليمين المتطرف؛ حيث حصل نتنياهو على توصية أعضاء حزبه الليكود (35 مقعدًا)، وأحزاب الحريديم المتدينة، شاس ويهدوت هتوراه، (16 مقعدًا؛ ثمانية لكل منهما)، وإسرائيل بيتنا بزعامة أفيغدور ليبرمان (5 مقاعد) وحزب كولانو (4 مقاعد وهو يمين وسط)، واتحاد الأحزاب اليمينية (5 مقاعد) الأكثر تطرفًا. (يُنظر الجدول رقم (2)، وهي الأحزاب الستة الأولى فيه). وهنا مرة أخرى، كما هي الحال في كل انتخابات منذ عام 2009، سوف يعمل نتنياهو ليثبت أنه بارع في بناء الائتلافات الحكومية، على الرغم من أن المقاعد التي فازت بها جميع الأحزاب اليمينية بما فيها الليكود لا تتجاوز 50 مقعدًا (10)

هذا، وتشكِّل أحزاب الحريديم الأرثوذكسية وإسرائيل بيتنا، مجموع مقاعدهم 21 مقعدًا، مفاتيح أساسية لبناء الائتلاف. ويبدو واضحًا أن تأثير أحزاب الحريديم الأرثوذكسية (16 مقعدًا) يتنامى داخل المجتمع الإسرائيلي بفضل معدلات المواليد المرتفعة والمحافظة على نسبة إقبال كبيرة على المشاركة في الانتخابات والصراع المستمر والعنيف مع الأحزاب والقوى العلمانية. هذه العوامل تجعل أحزاب الحريديم الأرثوذكسية حليفًا طبيعيًّا لنتنياهو، الذي من المرجح أن يستمر في منحهم وضعًا مفضلًا من حيث الإعفاء من التجنيد العسكري، والدعم المالي لمؤسساتهم التعليمية والدينية الواسعة، واحتكار السيطرة على تنظيم الشؤون الدينية في إسرائيل. مجموعة أخرى مهمة لفهم لغز ائتلاف نتنياهو المتوقع تشكيله هو أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب “إسرائيل بيتنا” اليميني “المتطرف” والذي حصل على 5 مقاعد. فبينما أعلنت جميع الأحزاب اليمينية والدينية بالفعل أنها ستنضم إلى نتنياهو، أعلن أيضًا ليبرمان أنه سوف ينضم للحكومة ولكن بشرط الاستجابة إلى مطالبه (11)

ومثلما حدث في الائتلافات الحكومية السابقة، فمن المرجح أن يستجيب نتنياهو لمطالب الأحزاب الدينية واليمينية المتطرفة من أجل ضمان تشكيل حكومته، ومع وجود ائتلاف حكومي ضيق يضم أحزابًا يمينية ودينية متطرفة، فإن الاتجاه الذي وضعه نتنياهو لإسرائيل في ولايته السابقة، من المقرر أن يستمر ويصبح أكثر تطرفًا، أي رفض أية تسوية سلمية تنهي الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة. 

جدول رقم (2)، يتضمن نتيجة الانتخابات الإسرائيلية: عدد مقاعد كل حزب فائز وتوجهاته الدينية وموقفه من التسوية مع الفلسطينيين (12).

اسم الحزبعدد المقاعدالتوجه الأيديولوجي
  التوجه السياسيالتوجه الديني
الليكود35يمين إلى يمين متطرف: لا يقبل بحل الدولتين ويؤيد استمرار الوضع الراهن مع الفلسطينيين أو ضم الضفة الغربية. معتدل
شاس8يمين: يؤيد استمرار الوضع الراهن مع الفلسطينيينأصولية دينية متشددة
يهدوت هتوراه8يمين: يؤيد استمرار الوضع الراهن مع الفلسطينيينأصولية دينية متشددة
اتحاد أحزاب اليمين5أقصى اليمين: لا يقبل بحل الدولتين ويتبنى موقفًا يؤيد تعزيز الإجراءات الإسرائيلية العملية لضم الضفة الغربيةمتدين
يسرائيل بيتنو5يمين: يؤيد استمرار الوضع الراهن مع الفلسطينيين ولكن يقبل مبدأ حل الدولتينعلماني متشدد
كولانو4يمين الوسط: يؤيد استمرار الوضع الراهن مع الفلسطينيين ولكن يقبل مبدأ حل الدولتينمعتدل
كاحول لافان35وسط: يؤيد استمرار الوضع الراهن أو مبدأ حل الدولتينعلماني
العمل6يسار الوسط: يؤيد مبدأ حل الدولتينعلماني
الجبهة العربية للتغيير6يسار: يؤيد مبدأ حل الدولتينعلماني متشدد
ميريتس4يسار: يؤيد مبدأ حل الدولتينعلماني متشدد
القائمة العربية الموحدة4يسار: يؤيد مبدأ حل الدولتينتحالفعلمانيينوإسلاميين

لا لحل الدولتين! 

بدلًا من السلام مع الفلسطينيين والتمسك بالمبادئ الأساسية التي قامت عليها عملية السلام -الأرض مقابل السلام- تهدف القوى الإسرائيلية اليمينية المتصاعدة إلى تعزيز أيديولوجية السيادة الإسرائيلية على كل الأراضي الفلسطينية التاريخية، وفرض حلول أحادية تحقق فيها المصالح الإسرائيلية الاستراتيجية في مجموعة من الملفات المهمة بما ينهي عمليًّا أية إمكانية لحل الدولتين بناء على حدود عام 1967، وأهم هذه الملفات:

أولًا: لا لدولة فلسطينية: تتقاسم قوى اليمين الصاعدة موقفًا موحدًا تجاه العمل على منع إقامة دولة فلسطينية وذلك برفض الأسس الدولية المتفق عليها للحل القائم على أساس دولتين لشعبين. وتستثمر هذه القوى الانقسام الفلسطيني المستمر منذ العام 2007 وتعمل على ترسيخه من أجل الادعاء بغياب شريك فلسطيني؛ حيث صرَّح نتنياهو قبل أيام من الانتخابات بأن من مصلحة إسرائيل إدامة الانقسام (13). ومن أجل تحقيق ذلك، تعمل إسرائيل على استراتيجيتين متداخلتين تقوم على إضعاف كل من حركتي فتح وحماس. فمن جهة، تعمل إسرائيل على زيادة تهميش السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية ومواصلة إضعافها مع المحافظة على نوع مُسيطَر عليه من التنسيق الأمني بما يخدم مصالحها. وبصورة مشابهة، تعمل على إحكام الحصار على قطاع غزة بهدف منع حماس من بناء قوة عسكرية رادعة مع العمل على تخفيف القيود المفروضة على قطاع غزة مثل حركة البضائع والأشخاص وتوسيع مساحات الصيد وذلك بالتنسيق مع مصر والأمم المتحدة وقطر، وذلك بهدف منع انفجار الأوضاع الأمنية ونشوب حرب جديدة.

ثانيًا: مصير مدينة القدس: تتمسك القوى الإسرائيلية، وخاصة اليمين، بتثبيت السيادة الإسرائيلية على مدينة القدس بشقيها الشرقي والغربي وترفض تقديم أي تنازلات في هذا الملف للجانب الفلسطيني. تناغمت هذه المواقف مع اعتراف الولايات المتحدة الأميركية بمدينة القدس، بما فيها القدس الشرقية، عاصمة موحدة لإسرائيل مُنهية بذلك طموح الفلسطينيين بأن تكون القدس الشرقية عاصمة لدولتهم المُستقلة. وتعزز هذا الواقع الجديد، بنقل واشنطن لسفارتها من “تل أبيب” إلى مدينة القدس، بصورة مخالفة للقوانين الدولية والسياسات الأميركية التقليدية.

ثالثًا: مستقبل اللاجئين الفلسطينيين: ترفض كافة الأطياف السياسية الإسرائيلية المؤثرة إبداء أية مرونة تجاه تسوية ملف اللاجئين بصورة تضمن حقوقهم المنصوص عليها في القوانين الدولية؛ حيث تعتبر عودة اللاجئين بمثابة النهاية لدولة إسرائيل. تنسق قوى اليمين واليمين المتطرف خطواتها لتصفية هذا الملف بشكل مواز للخطوات الأميركية الهادفة إلى إزالة ملف اللاجئين كعقبة مفترضة أمام إنجاز أية تسوية مستقبلية مع الفلسطينيين. وضمن هذا السياق، قامت الولايات المتحدة الأميركية بتجميد المُساعدات المالية الأميركية، المُقدَّمة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين -أونروا- والبالغة أكثر من 300 مليون دولار. عملت الأونروا منذ تأسيسها، في عام 1949، كإطار مؤسساتي خدماتي يهتم باللاجئين الفلسطينيين المقدر عددهم حاليًّا بحوالي 5.15 ملايين لاجئ موزعين على مجموعة من المناطق، أهمها: الضفة الغربية، وقطاع غزة، والأردن، ولبنان، وسوريا (14)، إلا أنها تتهم من قبل إسرائيل وواشنطن بمساعدة الفلسطينيين في إدامة روايتهم المتعلقة بالصراع وأسبابه. لذلك، تقوم الخطة الأميركية-الإسرائيلية المشتركة على تفكيك مؤسسات الأونروا وإنهاء وجودها عن طريق نقل صلاحياتها لهيئات أممية أخرى. وبدلًا من تعويض اللاجئين الفلسطينيين وإعادتهم إلى قراهم التي هُجِّروا منها، تسعى إسرائيل إلى مطالبة الدول العربية بـ250 مليار دولار كتعويضات عن ممتلكات اليهود التي تزعم إسرائيل أنهم كانوا يملكونها قبل نقلهم إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة. ففي عام 2010، سَنَّ الكنيست الإسرائيلي قانونًا يلزم الحكومة بتضمين ملف “تعويض أملاك اليهود” في كل مفاوضات سلام تجريها مع الدول العربية، ومع زيادة الحديث عن الخطة الأميركية للسلام، بدأت إسرائيل بالعمل على حصر وتقدير الممتلكات اليهودية في الدول العربية والإسلامية (15).

ضم الضفة الغربية

من أجل تحقيق هدفها في منع إقامة دولة فلسطينية، تبنت الأحزاب الإسرائيلية اليمينية موقفًا موحدًا تجاه العمل على ضم الضفة الغربية أو أجزاء حيوية منها إلى السيادة الإسرائيلية. شكلت السيطرة على الأراضي الفلسطينية تاريخيًّا عنصرًا أساسيًّا ضمن العقيدة الأيديولوجية الإسرائيلية؛ حيث يقوم المشروع الإسرائيلي على الاستهداف المنهجي للفضاء الفلسطيني الجغرافي بإجراءات عسكرية أو قضائية لتعزيز السيادة الإسرائيلية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لتحقيق “مبدأ الانفصال” عن الفلسطينيين، بمعنى السيطرة على مساحات أوسع من الأراضي وتجمعات فلسطينية أقل. وتتمحور هذه الأخيرة حول مصادرة الأراضي الفلسطينية وتدمير الفضاء الجغرافي الفلسطيني وتطبيق نظام فصل عنصري تدريجي عن طريق تثبيت الحواجز والنقاط العسكرية وجدار الفصل العنصري بغية فصل التجمعات الفلسطينية عن بعضها بعضًا، وحصرها في كانتونات معزولة. فمنذ توقيع اتفاق أوسلو في حديقة البيت الأبيض، عام 1993، زاد عدد المستوطنين في الضفة الغربية وحدها بأكثر من ثلاثة أضعاف، من 116 ألفًا إلى أكثر من 413 ألفًا عام 2017، وهو ما يرجح ضم هذه المستوطنات إلى إسرائيل خاصة أن جزءًا مهمًّا منها يقع شرق الجدار الفاصل الذي أنشأته إسرائيل (16).

وحتى لو لم يتم ضم المستوطنات مباشرة في مرحلة ما بعد الانتخابات، فإن النمو الاستيطاني يجعل خيار الضم أكثر احتمالًا مع التوقع بتشكيل حكومة إسرائيلية يمينية. إن أكثر ما يقلق الفلسطينيين هو قوة الأحزاب في الكنيست التي تدعو أجنداتها الصريحة إلى ضم بعض أجزاء (أو كل) الضفة الغربية. فبدلًا من السلام، تعمل أحزاب اليمين واليمين المتطرف على دفع السياسات الإسرائيلية بالاتجاه المعاكس والضغط من أجل ضم الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية المطلقة وممارسة مزيد من التهميش ضد السلطة الفلسطينية ومؤسساتها. فمن المتوقع أن تضم الحكومة الإسرائيلية الجديدة قادة اليمين الإسرائيلي المنادين بضم الضفة والذين أعلنوا أنهم سيتبنون تشريعات لحماية حصانة نتنياهو في مواجهة لائحة الاتهام المتعلقة بالفساد ضده، وذلك حتى يتمكن من الاستمرار في العمل كرئيس للوزراء حتى لو واجه محاكمة. ليس بعيد المنال افتراض أن نتنياهو سيتعين عليه تقديم شيء مهم للغاية لشركائه في الائتلاف إذا ساعدوه بالفعل على البقاء في منصبه، خاصة فيما يتعلق بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. فقبل أيام من الانتخابات، أعلن نتنياهو أنه يدعم ضم التكتلات الاستيطانية والمناطق الاستراتيجية إلى إسرائيل، وأكد أنه لن يقوم بإخراج أي مستوطن إسرائيلي من الضفة الغربية بالقوة معلنًا أنه سيطبق “السيادة الإسرائيلية” في التكتلات اليهودية في الضفة الغربية (17). ومع أن نتنياهو أوضح أنه لا ينوي ضم كامل الضفة الغربية فإنه أكد أنه لن يزيل أية مستوطنة وأفصح عن نيته الاحتفاظ بسيطرة أمنية وإدارية كاملة على المنطقة (ج) والتي تشكل 60% من مناطق الضفة الغربية (18). وهذا يتماشى مع سياسات حزب الليكود الحاكم والذي تبنى في العام 2018 مشروع قرار ينص على فرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات وامتداداتها في الضفة الغربية المحتلة؛ بما فيها القدس، وضمها إلى نطاق السيطرة الإسرائيلية (19). وبالتالي، فمن المتوقع أن يعمل الائتلاف الحكومي الجديد تحت حكم الليكود على الاستمرار في سياساته القديمة القائمة على الضم التدريجي للضفة الغربية، عن طريق إصدار مزيد من التشريعات التي تعزز ما يسمونه “سيادة إسرائيل” في الضفة الغربية. والجدير بالذكر أنه تم تمرير ما لا يقل عن ستين مشروع قانون يمهد لضم الضفة الغربية في الكنيست المنتهية ولايته، وصودق على ثمانية قوانين دخلت بالفعل حيز التنفيذ (20)، وبهذا، يمكن فهم قانون الدولة القومية الذي أقرَّه الكنيست، في يوليو/تموز 2018، أنه يأتي ضمن هذا المسار لضم الضفة الغربية. 

ولا يبدو أن الإدارة الأميركية تُظهر حتى الآن أية معارضة للخطوات الإسرائيلية لضم الضفة الغربية بل على العكس يظهر من التصريحات الأميركية والدعم الشخصي لنتنياهو أنها تتفهم ذلك، وهو ما عبَّر عنه بصراحة وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، ردًّا على تصريحات نتنياهو الداعية لضم الضفة الغربية. كما لم تعلن إدارة الرئيس الأميركي، ترامب، حتى الآن معارضتها للتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية وهي لا تعتبر هذا التوسع بشكل عام عقبة في وجه عملية السلام، لا بل إن سفير ترامب لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، من أبرز داعمي الاستيطان في الأراضي الفلسطينية. وتتناسب هذه المواقف مع تسريبات حول رؤية أميركية لتسوية الصراع، تقوم على تقسيم المستوطنات إلى ثلاث مجموعات: تشمل المجموعة الأولى الكتل الاستيطانية الكبرى والتي ستضمها إسرائيل إليها، وهو ما يتوافق مع خطط اليمين واليمين المتطرف الإسرائيلي. الثانية: هي المستوطنات النائية التي لن يُسمح لها بالتوسع. والثالثة: هي المستوطنات العشوائية التي سيتوجب إخلاؤها (21). بالإضافة إلى ذلك، يشير اعتراف واشنطن -والذي قدمته لنتنياهو بين يدي الانتخابات- بضم إسرائيل لمرتفعات الجولان، إلى أن نتنياهو قد لا يواجه أي ضغط تقريبًا من واشنطن بخصوص ضمه بعض التجمعات الاستيطانية والمناطق المحيطة بها إلى السيادة الإسرائيلية.

رفض مبادرة السلام العربية 

تسعى إسرائيل إلى تجاوز المبادرة العربية للسلام، والتي أطلقتها المملكة العربية السعودية، عام 2002، في قمة بيروت العربية، والتي تشترط موافقة إسرائيل على حل الدولتين، وفق حدود 1967، وتدعو إلى حل “عادل” لقضية اللاجئين الفلسطينيين مقابل تطبيع الدول العربية للعلاقات معها والإعلان عن انتهاء النزاع العربي-الإسرائيلي. وبدلًا من ذلك تريد إسرائيل من الدول العربية التطبيع بدون التوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين (22). يعتقد نتنياهو أن خطواته لضم الضفة الغربية تلقى تفهمًا متزايدًا من قبل بعض القادة العرب الذين التقاهم وهم يتفهمون “تمسك” إسرائيل بالأراض الفلسطينية. وضمن هذا السياق أيضًا، تسعى إسرائيل، وبدعم وإشراف أميركي، إلى لعب دور محوري ولو بصورة غير رسمية، في تحالف عربي جديد بزعامة المملكة العربية السعودية، بهدف “التصدي” للنفوذ الإيراني في المنطقة، ويستطيع هذا التحالف تفهم “حاجة” إسرائيل إلى الاحتفاظ بالضفة الغربية. 

ظهر ذلك بوضوح في مؤتمر وارسو، الذي عُقد في فبراير/شباط 2019، وشاركت فيه أكثر من 60 دولة بما فيها العديد من الدول العربية وقاطعته السلطة الفلسطينية وانتقده الفلسطينيون باعتباره مؤتمرًا لتهميش وتصفية القضية الفلسطينية. وقد عمل المؤتمر بالفعل على التقريب ما بين الدول العربية وإسرائيل من جهة، وإعطاء التصدي لإيران أولوية على حل القضية الفلسطينية من جهة أخرى (23)؛ إذ شاركت الدول العربية لأول مرة إلى جانب إسرائيل في مؤتمر دولي، يركز على الشرق الأوسط منذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، وهذا الأخير كان حجر الأساس لانطلاق مؤتمر أوسلو ومفاوضات السلام الفلسطينية-الإسرائيلية. 

ولكن، على عكس ما كان في مؤتمر مدريد، يُجمع الفلسطينيون هذه المرة على أن هذا المؤتمر لا يهدف إلى حل القضية الفلسطينية بل إلى تهميشها، لأن المؤتمر بدلًا من تشجيع السلام ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين ركز على قلب الأولويات ووضع إيران على أنها المشكلة الأساسية في الشرق الأوسط دون التعرض للاحتلال الإسرائيلي. ففي فيديو مسرَّب من قِبل مكتب نتنياهو لجلسات المؤتمر السرية، أوضح العديد من وزراء الخارجية العرب أن إيران فحسب وليس عدم حل القضية الفلسطينية، هي المشكلة الأساسية في عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. من ذلك قال وزير الخارجية البحريني، خالد بن أحمد آل خليفة: إن عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين “ستكون في حال أفضل بدون سلوك إيران المؤذي”. ومما قاله أيضًا: “كبرنا ونحن نتحدث عن مسألة إسرائيل وفلسطين كأهم مسألة يجب حلها بصورة أو بأخرى”. ولكنه، بات يعتقد بأن التحدي الأكبر والأخطر في التاريخ العربي يتمثل في إيران والتي يجب مواجهتها “من أجل التعامل مع التحديات الأخرى”(24).

احتواء إيران وحلفائها في سوريا

يعمل التحالف الإسرائيلي مع بعض الدول العربية بصورة علنية على احتواء نفوذ إيران في الشرق الأوسط وإضعاف دورها في سوريا، وخاصة في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي. تركز إسرائيل حاليًّا على منع إيران من تعزيز قواتها في سوريا عن طريق الخط البري الممتد من إيران، عبر العراق وسوريا إلى لبنان، كما لعب تمركز القوات الأميركية في شمال شرق سوريا وعلى طويل الحدود العراقية دورًا مهمًّا في منع طهران من نقل “أسلحة متطورة” وتكنولوجيا عسكرية “حديثة” عبر الحدود (25). ولكن من المحتمل أن يتغير هذا الواقع إذا عملت الولايات المتحدة على إتمام انسحابها من سوريا وهو ما قد يعني زيادة الاشتباك الإسرائيلي في سوريا كي تقوم بهذه المهمة بنفسها. ولكن لابد من الإشارة هنا، إلى أن هذه التطورات ستقوم إسرائيل بالتعامل معها بغضِّ النظر إذا شكَّل نتنياهو أو غانتس الحكومة الجديدة. فحتى في حالة استبدال نتنياهو، فإن أية حكومة إسرائيلية مستقبلية ستواصل السعي للحصول على تأمين حدودها الشمالية مع سوريا ولبنان عن طريق توجيه ضربات منتقاة للأهداف الإيرانية وحليفها حزب الله سواء في قلب سوريا أو على الحدود اللبنانية السورية التي “تخشى” إسرائيل من أن تتحول إلى ممر لنقل الأسلحة “المتطورة” إلى حزب الله.

السيناريوهات المتوقعة 

مع اتجاه نتنياهو لتشكيل ائتلاف حكومي يميني ضيق، يبدو أن السياسة الإسرائيلية تتجه إلى مزيد من التطرف تجاه الفلسطينيين والانفتاح تجاه الدول العربية بهدف “التصدي” للنفوذ الإيراني في الشرق الأوسط؛ حيث من المتوقع أن تتفاعل السيناريوهات الثلاث في المستقبل القريب، وهي:

أولًا: السياسة الإسرائيلية تتجه نحو مزيد من التطرف: من الناحية النظرية يمكن لأكبر حزبين إسرائيليين، الليكود وحزب كاحول لافان، أن يشكِّلا حكومة وحدة وطنية، وستكون في وضع يمكِّنها من متابعة “صفقة سلام” وتنفيذها إذا كانت خطة ترامب “غير المعلنة” والتي طال انتظارها، بمثابة مخطط حقيقي ينهي الصراع العربي-الإسرائيلي ويحقق بالمقام الأول المصالح الإسرائيلية الاستراتيجية. 

ولكن هناك عوامل تجعل هذا السيناريو غير مرجح للغاية؛ حيث وعد قادة حزب كاحول لافان بأنهم لو قبلوا بحكومة مع “الليكود” لن تكون إلا بدون نتنياهو، وأي تراجع عن هذا الوعد لتشكيل تحالف مع نتنياهو، من المحتمل أن يكون بمثابة النهاية لحزب كاحول لافان، لأن الناخبين سيرفضون بشكل قاطع مثل هذه الخطوة. بالمقابل، ليس لدى نتنياهو حاجة إلى حزب كاحول لافان، وخاصة إذا انضمّ أفيغدور ليبرمان إلى الائتلاف الحكومي الذي ينوي نتنياهو تشكيله وأيده، ومع استبعاد أن تقع أية مفاجأة مثل محاكمة نتنياهو قد تعجِّل بإجراء انتخابات إسرائيلية جديدة، فإن تحالف اليمين المتطرف سيقوم بتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة.

وضمن هذا السيناريو الأخير، من المتوقع أن تسيطر الأحزاب الإسرائيلية اليمينية والدينية المتطرفة على المشهد السياسي الإسرائيلي خلال السنوات الأربع القادمة، ومن المحتمل أن يتم تبني سياسات متطرفة في المجالات التالية:

1. رفض أية فرص للتسوية مع الفلسطينيين حتى لو تطلبت تنازلات كبيرة ومؤلمة من الفلسطينيين على غرار خطة ترامب للسلام؛ حيث أعلنت بعض هذه الأحزاب عن معارضتها الثابتة لأية خطط يمكن أن تؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية. 

2. إلى جانب التوسع الاستيطاني، سيعمل أعضاء الحكومة على مواصلة سنِّ قوانين لإضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية غير القانونية، وتسهيل مصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية، وضم المستوطنات تدريجيًّا من خلال توسيع نطاق اختصاص القانون الإسرائيلي إلى المناطق الفلسطينية. 

3. ستواصل الحكومة إضفاء الشرعية على التمييز ضد المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، من خلال تطبيق قانون الدولة القومية الذي يستلزم معاملة تفضيلية لليهود. 

4. ستواصل الحكومة قمع أساليب المعارضة غير العنيفة مثل الدعوة إلى مقاطعة المستوطنات أو إسرائيل.

5. ستواصل وزارة التعليم دمج المزيد من المناهج القومية والدينية والبرامج غير المنهجية في المدارس العامة.

6. سيتم منح وزارتي الداخلية والشؤون الدينية، للأحزاب الدينية “المتطرفة”، التي ستواصل تعزيز وترسيخ الطابع الديني للدولة. 

أخيرًا، سيتم منح وزارة العدل لأحد الموالين المخلصين لنتنياهو؛ ما يسمح له بالهيمنة على النظام القضائي الإسرائيلي وتجييره لصالحه، لاسيما وأنه من المتوقع اتهامه بالفساد قريبًا، بالإضافة إلى الاستمرار في تعيين مزيد من القضاة الذين يؤيدون اليمين والاستيطان. 

ثانيًا: تلاشي الأمل بإقامة دولة فلسطينية: أسهم فوز الأحزاب اليمينية في الانتخابات في جعل حل الدولتين أكثر هشاشة، ليس فقط في إسرائيل بل في الولايات المتحدة الأميركية التي باتت داعمًا أساسيًّا لتوجهات اليمين الإسرائيلي. ولا يبدو أن الخطط الأميركية للسلام ستوفر فرصة حقيقية للفلسطينيين للمضي قدمًا نحو إقامة الدولة والاستقلال، حيث تميل الخطة بشكل كامل إلى الاستجابة للمتطلبات الإسرائيلية الأمنية والسياسية. لذلك، من المرجح ألا تقدم الخطط الأميركية للفلسطينيين فوائد سياسية كبيرة، والفلسطينيون على الأغلب سوف يرفضونها كما صرَّح أكثر من مسؤول فلسطيني خلال الفترة الماضية. لهذا، لا يحتاج نتنياهو إلى تشكيل ائتلاف يمكِّنه من دعم وتنفيذ خطة مبرمجة للسلام، وسيترسخ مركز السياسة الإسرائيلية في أقصى اليمين. 

ثالثًا: مزيد من التقارب الإسرائيلي-العربي: من المتوقع أن يزداد التقارب الإسرائيلي-العربي في مرحلة ما بعد الانتخابات، حيث هناك حاجة متبادلة ما بين نتنياهو وبعض الدول العربية، وخاصة المملكة السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين، لتشكيل تحالف سياسي وعسكري في المنطقة تجاه تصاعد الهيمنة الإيرانية في الإقليم.

تتطلع إسرائيل إلى الاستفادة من مثل هذا التحالف -أو على الأقل التعاون- في مجال الأمن وتبادل المعلومات والاستخبارات. فالتحولات المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط والمتمثلة في هزيمة تنظيم الدولة، وإعلان الولايات المتحدة سحب قواتها من سوريا، والتوتر المتصاعد مع إيران، سيحتم على إسرائيل الاشتباك أكثر في منطقة تعج بالقوى الإقليمية والدولية المتنافسة من أجل المحافظة على مصالحها. ستواجه إسرائيل على الأغلب في مرحلة ما بعد “الحرب السورية” العديد من التحديات المرتبطة بتمركز إيران في سوريا، والتوتر المتصاعد مع حزب الله في لبنان. 

خاتمة 

يتسم الوضع الراهن في مرحلة ما بعد الانتخابات الإسرائيلية بهيمنة واضحة لليمين الإسرائيلي على المشهد السياسي الإسرائيلي وتآكل فرص حل الدولتين مع التوسع في الاستيطان في الضفة الغربية، والعمل على ضم أجزاء منها تدريجيًّا. وضمن هذا السياق، يمكن فهم الهجوم الشرس على الحقوق المدنية المتساوية للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، من خلال قانون الدولة القومية أولًا، وكذلك من خلال محاولات إضعاف المحكمة العليا، وحملة قمع الناخبين العرب عن طريق نشطاء الليكود، كخطوات تمهيدية من قبل اليمين الإسرائيلي لضم أجزاء أو كل الضفة الغربية. ويحاول اليمين المتطرف من خلال التقليص المستمر للحقوق المدنية للأقلية العربية في إسرائيل والتمييز ضدها، إرساء أسس نظام إسرائيلي جديد لم تعد فيه حتى المساواة الإجرائية والرسمية هي القاعدة الأساسية. سيسمح هذا لإسرائيل بضم أجزاء من الضفة الغربية حتى لو كانت تضم بعض السكان الفلسطينيين، وليس من المتوقع منحهم الجنسية الإسرائيلية، وفي حال تم ذلك، سيكون فقط بصورة رسمية شكلية مع إبقاءهم عمليًّا مواطنين من الدرجة الثانية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* محمود جرابعة، باحث في معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا الاجتماعية. 

**ليهي بن شطريت، أستاذة مساعدة في كلية الشؤون العامة والدولية في جامعة جورجيا في أثينا.

مراجع

1-        قناة الجزيرة الإخبارية، استعدادًا للانتخابات: نتنياهو يلجأ لليمين المتطرف، 12 فبراير/شباط 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2DexbKx

2-        تايمز أوف إسرائيل، وكالة علاقات عامة تعلن مسؤوليتها عن الكاميرات الخفية في محطات الاقتراع العربية، 11 أبريل/نيسان 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2XjXvuF

3-        هناك في الأصل شكوك عربية حول المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية، والتصوير سيزيد خشيتهم من التعرض للتضييق لاحقًا بعد الانتخابات.

4-        عبد الرؤوف أرناؤوط، المرشحون العرب يشتكون كاميرات سرية ثبتها “الليكود” بمراكز الاقتراع، وكالة الأناضول، 14 أبريل/نيسان 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2IqeAzt

5-        راؤول ووتليف، حزب أزرق أبيض يصدر طرحه السياسي “لا انسحاب آخر”، تايمز أوف إسرائيل، 6 مارس/آذار 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2UKCxbw

6-        قناة الجزيرة الإخبارية، تحالف الجنرالات.. سفاحون في المشهد السياسي بإسرائيل، 8 مارس/آذار 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2IkfcGL

7-        تايمز أوف إسرائيل، أسباب انتشار الآراء اليمينية والمتحفظة في أوساط الإسرائيليين الشباب، 14 أبريل/نيسان 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2PcWrWv

8-        نفسالمصدر السابق.

9-        يوضح الجدول اتجاهات التصويت بين الناخبين الإسرائيليين تجاه نتنياهو وغانتس والذي أجراه مركز غوتمان قبل الانتخابات (3 أبريل/نيسان 2019) في معهد إسرائيل للديمقراطية. ينظر المصدر السابق.

10-      تشمل هذه الأحزاب: حزب الليكود 36 مقعدًا، اليمين المتحد 5 مقاعد، كولانا 5 مقاعد، وإسرائيل بيتنا 5 مقاعد.

11-      في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2018، استقال ليبرمان من منصبه كوزير للدفاع في حكومة نتنياهو احتجاجًا على وقف إطلاق النار في غزة. بي بي سي، استقالة وزير الدفاع الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، احتجاجًا على وقف إطلاق النار في غزة، 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): http://www.bbc.com/arabic/middleeast-46206695

12-      الجدول من إعداد الباحث.

13-      المدن، نتنياهو: الانقسام الفلسطيني ليس بالأمر السيء، 6 أبريل/نيسان 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2Xk0Qdb

14-      للمزيد حول الخدمات التي تقدمها وكالة الأونروا، انظر إلى موقع الأونروا الرسمي على الإنترنت والذي يشمل معلومات مفصلة وإحصاءات عن نشاطاتهم المختلفة، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://www.unrwa.org/ar/what-we-do

15-      قناة الجزيرة الإخبارية، إسرائيل تسعى لمطالبة دول عربية بـ250 مليار دولار تعويضات، 6 يناير/كانون الثاني 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2SM8qLq

16-      هادي عمر، هل صوَّت الإسرائيليون لإنهاء حلِّ الدولتَين؟ بروكنجز، 10 أبريل/نيسان 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://brook.gs/2V1x1Ay

17-      موقع رام الله الإخباري، نتنياهو عن غزة: لم يُقتل إسرائيلي واحد خلال السنوات الأربع الماضية، 8 أبريل/نيسان 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2UX0qfg

18-      نفس المصدر السابق.

19-      وكالة معًا الإخبارية، كتلة استيطانية جديدة وسط الضفة، 19 يناير/كانون الثاني 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): http://www.maannews.net/Content.aspx?id=973369

20-      محمد محسن وتد، لماذا غيبت إسرائيل الصراع مع الفلسطينيين عن أجندة الانتخابات؟، قناة الجزيرة الإخبارية، 9 أبريل/نيسان 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2UCOYG8

21-      قناة الجزيرة الإخبارية، تفاصيل جديدة لـ”صفقة القرن” والسلطة تتمسك بالقدس الشرقية، 17 يناير/كانون الثاني 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2RVE4cc

22-      للمزيد حول التطبيع العربي-الإسرائيلي، انظر محمود جرابعة، مرحلة جديدة من التطبيع العربي الإسرائيلي وآفاقه، مركز الجزيرة للدراسات، 26 ديسمبر/ كانون الأول، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2018/12/181226063800813.html

23-      رفائيل أهرين، نتنياهو في وارسو: بالنسبة للقادة العرب، التهديد الإيراني أكثر إلحاحًا من الفلسطينيين، تايمز أوف إسرائيل، 15 فبراير/شباط 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2KDzOvJ

24-      رفائيل أهرين، فيديو سربه مكتب نتنياهو يظهر وزراء دول عربية يدافعون عن إسرائيل ويهاجمون إيران، تايمز أوف إسرائيل، 15 فبراير/شباط 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2DJ3OQ1

25-      جوداه آري غروس، نتنياهو: سنكثف جهودنا ضد إيران في سوريا بعد الانسحاب الأميركي، تايمز أوف إسرائيل، 20 ديسمبر/كانون الأول 2018، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2IzlDoP

شكَّلت الانتخابات الإسرائيلية التي أُجريت في 9 أبريل/نيسان 2019، إلى حد ما، استفتاء على حكم نتنياهو كرئيس للوزراء والمستمر منذ العام 2009، حيث لم يضع أي من المرشحين الرئيسيين التسوية مع الفلسطينيين عنصرًا أساسيًّا في حملته الانتخابية. أظهرت نتائج الانتخابات فوزًا واضحًا لقوى اليمين واليمين المتطرف وهو ما سوف يرسخ هيمنتها على المشهد السياسي الإسرائيلي خلال السنوات القادمة. تعالج هذه الورقة تطبيقات نتائج الانتخابات المختلفة على الوضع الإسرائيلي الداخلي، وفرص التسوية السلمية مع الفلسطينيين، والعلاقات العربية-الإسرائيلية في ضوء التنازع الإقليمي مع إيران وحلفائها في المنطقة. تجادل الورقة بأن المجتمع الإسرائيلي يتجه أكثر من أي وقت مضى منذ توقيع اتفاق أوسلو، عام 1993، نحو اليمين وهو ما سيعمل على إذابة فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة مع تجاهل الدول العربية الفاعلة لذلك.

هيمنة اليمين

أفرزت الانتخابات الإسرائيلية هيمنة متزايدة لمعسكر اليمين الإسرائيلي مقابل انحسار واضح في معسكر اليسار الذي هيمن على السياسة الإسرائيلية قبل أكثر من عشرين عامًا. فقد حصل حزبا اليسار، العمل وميرتس، على 6 و4 مقاعد على التوالي، بينما كان الحزبان قد حصلا على 56 مقعدًا في عام 1992. لذلك، بات من المؤكد بعد ظهور نتائج الانتخابات النهائية، ظهور اتجاهين رئيسين في السياسة الإسرائيلية الحالية، يختلفان في المسائل الداخلية ويتفقان إلى حد كبير تجاه المواقف المتشددة واليمينية في التعامل مع القضية الفلسطينية.

يتشكل المعسكر الأول من حزب الليكود اليميني بزعامة بنيامين نتنياهو والذي فاز بـ 35 مقعدًا وتلقى دعمًا قويًّا قبل الانتخابات من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وغيرهم من القادة الأكثر يمينية في العالم. انحرف نتنياهو نحو اليمين أكثر مما كان عليه من قبل؛ حيث تقرب من أقصى اليمين وشكَّل تحالفًا انتخابيًّا مع حزب “اليمين المتحد” المتطرف (1). واتبع نتنياهو وحزبه في حملتهم الانتخابية الأخيرة، نفس التكتيكات التي اتبعوها في انتخابات عام 2015 والمتمثلة في شيطنة المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل والتحريض عليهم، من ذلك شن نشطاء الليكود حملة ممنهجة لترهيب الناخبين العرب عن طريق تصوير مراكز الاقتراع في الأماكن العربية بـ 1200 كاميرا مخفية (2)، وذلك من أجل تقليل نسبة مشاركتهم في الانتخابات(3). فارتفاع نسبة التصويت في الوسط العربي كان ممكن أن يمنع أحزاب يمينية صغيرة من تجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25% وهو ما كان سيؤثر على قدرة حزب الليكود من تشكيل حكومة جديدة (4). انقسم المواطنون الفلسطينيون، -وهم يعانون من خيبة أمل كبيرة من العملية البرلمانية الإسرائيلية- وممثلوهم في الكنيست إلى قائمتين، وانخفض تمثيلهم في الكنيست من 13 مقعدًا عام 2015 إلى 10 مقاعد في هذه الانتخابات، وتراجع معدل تصويت العرب من ما يقرب من 64 ? في انتخابات عام 2015، إلى حوالي 50 ? في هذه الانتخابات.

تشكل الاتجاه الثاني من حزب كاحول لافان الجديد، والذي يطلق عليه أيضًا حزب “أزرق أبيض” وذلك نسبة إلى ألوان العلم الإسرائيلي؛ حيث حصل على 35 مقعدًا وشكَّل أكبر نجاح في الانتخابات لحزب معارِض منذ أن بدأ نتنياهو رئاسته الثانية في عام 2009. أسس الحزب الجديد عدد من الجنرالات السابقين برئاسة بيني غانتس، رئيس الأركان السابق لـ”جيش الدفاع الإسرائيلي”، وتبنى برنامجًا سياسيًّا ضبابيًّا. فبينما أعلن الحزب الجديد عن استعداده لخوض مفاوضات مع الفلسطينيين ودعا إلى عقد مؤتمر إقليمي للسلام في الشرق الأوسط، غاب مشروع حل الدولتين عن البرنامج السياسي للحزب، وتمسك الحزب بمدينة القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، واستمرار السيطرة الإسرائيلية على غور الأردن، والحفاظ على الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية ورفض الانسحاب الأحادي من الضفة الغربية (5). وبالتالي، لم يتبنَّ الحزب الجديد أي نوع من التوجه الأيديولوجي الملموس الذي قد يميزه بوضوح عن الأحزاب اليمينية تجاه تسوية مستقبلية مع الفلسطينيين وذلك بهدف استقطاب الدعم الشعبي (6) من مؤيدي اليمين، وخاصة الشباب. 

تشير استطلاعات الرأي الحديثة في إسرائيل إلى اتجاه المجتمع الإسرائيلي، وخاصة فئة الشباب، إلى تبني مواقف يمينية بصورة متصاعدة وذلك منذ الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، في عام 2005. وتتمحور هذه الأيديولوجية اليمينية حول رفض السلام مع الفلسطينيين ومعارضة إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة أو أي انسحاب إسرائيلي من الضفة الغربية أو تفكيك المستوطنات (7). وبناء على مؤشر الديمقراطية الإسرائيلي، الذي يجريه معهد الديمقراطية الإسرائيلي، لعام 2018، أصبحت أفكار اليمين هذه تنتشر بصورة كبيرة ما بين الفئة العمرية 18-34 (d) بالمقارنة مع الفئة العمرية 35 عامًا وما فوق (G)؛ حيث يفضل غالبية هؤلاء الشباب دعم نتنياهو واليمين على غانتس. فقبل أسبوع واحد من الانتخابات، وجد استطلاع معهد الديمقراطية الإسرائيلي أن 65% من اليهود الإسرائيليين الذين تتراوح أعمارهم بين 18-24 عامًا، يفضِّلون فوز نتنياهو، و53% من اليهود الإسرائيليين الذين تتراوح أعمارهم بين 25-34 عامًا، يفضلون أيضًا فوز نتنياهو. في حين أن 17% فقط من الفئة العمرية الأولى (18- 24 عامًا)، و33% من الفئة العمرية الثانية 25-34 عامًا ، يفضلون منافسه، بيني غانتس(8)

جدول رقم (1): اتجاهات التصويت بين نتنياهو وغانتس قبل الانتخابات (3 أبريل/نيسان 2019) (9).

الفئة العمريةنتنياهوغانتس
18-2465%17%
25-3454%33%
35-4464%24%
45-5448%46%
55-6447%47%
65 53%53%

أما السبب الرئيسي لفوز حزب كاحول لافان الجديد بعدد كبير من المقاعد، فيعود إلى عدم الرضا بين أوساط إسرائيلية عديدة تجاه عهد نتنياهو الطويل، وقضايا الفساد العديدة المتهم بها وأسلوبه الشخصي المثير للانقسام؛ إذ حصل الحزب على دعم قطاعات متنوعة من الناخبين، من بينهم الناخبون اليساريون التقليديون (وخاصة أولئك الذين يصوتون عادة لحزب العمل وإلى حدٍّ ما ميرتس)، الذين رأوا في التصويت لصالح الحزب الجديد تصويتًا استراتيجيًّا وحيدًا لإسقاط نتنياهو. 

وبالرغم من حصول حزب الليكود وحزب كاحول لافان على عدد متساو من المقاعد، 35 مقعدًا لكل منهما، إلا أن الرئيس الإسرائيلي أوكل إلى نتنياهو مهمة تشكيل الحكومة بعدما أوصت غالبية 65 (من أصل 120 عضوًا يشكِّلون الكنيست) بترشيح نتنياهو لتشكيل حكومة جديدة. في هذه الحالة، سيكون أمام نتنياهو 28 يومًا لتشكيل حكومة جديدة مع إمكانية تمديدها لمدة أسبوعين إضافيين. ويتشكل جميع أعضاء الكنيست الداعمين لنتنياهو من أحزاب اليمين واليمين المتطرف؛ حيث حصل نتنياهو على توصية أعضاء حزبه الليكود (35 مقعدًا)، وأحزاب الحريديم المتدينة، شاس ويهدوت هتوراه، (16 مقعدًا؛ ثمانية لكل منهما)، وإسرائيل بيتنا بزعامة أفيغدور ليبرمان (5 مقاعد) وحزب كولانو (4 مقاعد وهو يمين وسط)، واتحاد الأحزاب اليمينية (5 مقاعد) الأكثر تطرفًا. (يُنظر الجدول رقم (2)، وهي الأحزاب الستة الأولى فيه). وهنا مرة أخرى، كما هي الحال في كل انتخابات منذ عام 2009، سوف يعمل نتنياهو ليثبت أنه بارع في بناء الائتلافات الحكومية، على الرغم من أن المقاعد التي فازت بها جميع الأحزاب اليمينية بما فيها الليكود لا تتجاوز 50 مقعدًا (10)

هذا، وتشكِّل أحزاب الحريديم الأرثوذكسية وإسرائيل بيتنا، مجموع مقاعدهم 21 مقعدًا، مفاتيح أساسية لبناء الائتلاف. ويبدو واضحًا أن تأثير أحزاب الحريديم الأرثوذكسية (16 مقعدًا) يتنامى داخل المجتمع الإسرائيلي بفضل معدلات المواليد المرتفعة والمحافظة على نسبة إقبال كبيرة على المشاركة في الانتخابات والصراع المستمر والعنيف مع الأحزاب والقوى العلمانية. هذه العوامل تجعل أحزاب الحريديم الأرثوذكسية حليفًا طبيعيًّا لنتنياهو، الذي من المرجح أن يستمر في منحهم وضعًا مفضلًا من حيث الإعفاء من التجنيد العسكري، والدعم المالي لمؤسساتهم التعليمية والدينية الواسعة، واحتكار السيطرة على تنظيم الشؤون الدينية في إسرائيل. مجموعة أخرى مهمة لفهم لغز ائتلاف نتنياهو المتوقع تشكيله هو أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب “إسرائيل بيتنا” اليميني “المتطرف” والذي حصل على 5 مقاعد. فبينما أعلنت جميع الأحزاب اليمينية والدينية بالفعل أنها ستنضم إلى نتنياهو، أعلن أيضًا ليبرمان أنه سوف ينضم للحكومة ولكن بشرط الاستجابة إلى مطالبه (11)

ومثلما حدث في الائتلافات الحكومية السابقة، فمن المرجح أن يستجيب نتنياهو لمطالب الأحزاب الدينية واليمينية المتطرفة من أجل ضمان تشكيل حكومته، ومع وجود ائتلاف حكومي ضيق يضم أحزابًا يمينية ودينية متطرفة، فإن الاتجاه الذي وضعه نتنياهو لإسرائيل في ولايته السابقة، من المقرر أن يستمر ويصبح أكثر تطرفًا، أي رفض أية تسوية سلمية تنهي الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة. 

جدول رقم (2)، يتضمن نتيجة الانتخابات الإسرائيلية: عدد مقاعد كل حزب فائز وتوجهاته الدينية وموقفه من التسوية مع الفلسطينيين (12).

اسم الحزبعدد المقاعدالتوجه الأيديولوجي
  التوجه السياسيالتوجه الديني
الليكود35يمين إلى يمين متطرف: لا يقبل بحل الدولتين ويؤيد استمرار الوضع الراهن مع الفلسطينيين أو ضم الضفة الغربية. معتدل
شاس8يمين: يؤيد استمرار الوضع الراهن مع الفلسطينيينأصولية دينية متشددة
يهدوت هتوراه8يمين: يؤيد استمرار الوضع الراهن مع الفلسطينيينأصولية دينية متشددة
اتحاد أحزاب اليمين5أقصى اليمين: لا يقبل بحل الدولتين ويتبنى موقفًا يؤيد تعزيز الإجراءات الإسرائيلية العملية لضم الضفة الغربيةمتدين
يسرائيل بيتنو5يمين: يؤيد استمرار الوضع الراهن مع الفلسطينيين ولكن يقبل مبدأ حل الدولتينعلماني متشدد
كولانو4يمين الوسط: يؤيد استمرار الوضع الراهن مع الفلسطينيين ولكن يقبل مبدأ حل الدولتينمعتدل
كاحول لافان35وسط: يؤيد استمرار الوضع الراهن أو مبدأ حل الدولتينعلماني
العمل6يسار الوسط: يؤيد مبدأ حل الدولتينعلماني
الجبهة العربية للتغيير6يسار: يؤيد مبدأ حل الدولتينعلماني متشدد
ميريتس4يسار: يؤيد مبدأ حل الدولتينعلماني متشدد
القائمة العربية الموحدة4يسار: يؤيد مبدأ حل الدولتينتحالفعلمانيينوإسلاميين

لا لحل الدولتين! 

بدلًا من السلام مع الفلسطينيين والتمسك بالمبادئ الأساسية التي قامت عليها عملية السلام -الأرض مقابل السلام- تهدف القوى الإسرائيلية اليمينية المتصاعدة إلى تعزيز أيديولوجية السيادة الإسرائيلية على كل الأراضي الفلسطينية التاريخية، وفرض حلول أحادية تحقق فيها المصالح الإسرائيلية الاستراتيجية في مجموعة من الملفات المهمة بما ينهي عمليًّا أية إمكانية لحل الدولتين بناء على حدود عام 1967، وأهم هذه الملفات:

أولًا: لا لدولة فلسطينية: تتقاسم قوى اليمين الصاعدة موقفًا موحدًا تجاه العمل على منع إقامة دولة فلسطينية وذلك برفض الأسس الدولية المتفق عليها للحل القائم على أساس دولتين لشعبين. وتستثمر هذه القوى الانقسام الفلسطيني المستمر منذ العام 2007 وتعمل على ترسيخه من أجل الادعاء بغياب شريك فلسطيني؛ حيث صرَّح نتنياهو قبل أيام من الانتخابات بأن من مصلحة إسرائيل إدامة الانقسام (13). ومن أجل تحقيق ذلك، تعمل إسرائيل على استراتيجيتين متداخلتين تقوم على إضعاف كل من حركتي فتح وحماس. فمن جهة، تعمل إسرائيل على زيادة تهميش السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية ومواصلة إضعافها مع المحافظة على نوع مُسيطَر عليه من التنسيق الأمني بما يخدم مصالحها. وبصورة مشابهة، تعمل على إحكام الحصار على قطاع غزة بهدف منع حماس من بناء قوة عسكرية رادعة مع العمل على تخفيف القيود المفروضة على قطاع غزة مثل حركة البضائع والأشخاص وتوسيع مساحات الصيد وذلك بالتنسيق مع مصر والأمم المتحدة وقطر، وذلك بهدف منع انفجار الأوضاع الأمنية ونشوب حرب جديدة.

ثانيًا: مصير مدينة القدس: تتمسك القوى الإسرائيلية، وخاصة اليمين، بتثبيت السيادة الإسرائيلية على مدينة القدس بشقيها الشرقي والغربي وترفض تقديم أي تنازلات في هذا الملف للجانب الفلسطيني. تناغمت هذه المواقف مع اعتراف الولايات المتحدة الأميركية بمدينة القدس، بما فيها القدس الشرقية، عاصمة موحدة لإسرائيل مُنهية بذلك طموح الفلسطينيين بأن تكون القدس الشرقية عاصمة لدولتهم المُستقلة. وتعزز هذا الواقع الجديد، بنقل واشنطن لسفارتها من “تل أبيب” إلى مدينة القدس، بصورة مخالفة للقوانين الدولية والسياسات الأميركية التقليدية.

ثالثًا: مستقبل اللاجئين الفلسطينيين: ترفض كافة الأطياف السياسية الإسرائيلية المؤثرة إبداء أية مرونة تجاه تسوية ملف اللاجئين بصورة تضمن حقوقهم المنصوص عليها في القوانين الدولية؛ حيث تعتبر عودة اللاجئين بمثابة النهاية لدولة إسرائيل. تنسق قوى اليمين واليمين المتطرف خطواتها لتصفية هذا الملف بشكل مواز للخطوات الأميركية الهادفة إلى إزالة ملف اللاجئين كعقبة مفترضة أمام إنجاز أية تسوية مستقبلية مع الفلسطينيين. وضمن هذا السياق، قامت الولايات المتحدة الأميركية بتجميد المُساعدات المالية الأميركية، المُقدَّمة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين -أونروا- والبالغة أكثر من 300 مليون دولار. عملت الأونروا منذ تأسيسها، في عام 1949، كإطار مؤسساتي خدماتي يهتم باللاجئين الفلسطينيين المقدر عددهم حاليًّا بحوالي 5.15 ملايين لاجئ موزعين على مجموعة من المناطق، أهمها: الضفة الغربية، وقطاع غزة، والأردن، ولبنان، وسوريا (14)، إلا أنها تتهم من قبل إسرائيل وواشنطن بمساعدة الفلسطينيين في إدامة روايتهم المتعلقة بالصراع وأسبابه. لذلك، تقوم الخطة الأميركية-الإسرائيلية المشتركة على تفكيك مؤسسات الأونروا وإنهاء وجودها عن طريق نقل صلاحياتها لهيئات أممية أخرى. وبدلًا من تعويض اللاجئين الفلسطينيين وإعادتهم إلى قراهم التي هُجِّروا منها، تسعى إسرائيل إلى مطالبة الدول العربية بـ250 مليار دولار كتعويضات عن ممتلكات اليهود التي تزعم إسرائيل أنهم كانوا يملكونها قبل نقلهم إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة. ففي عام 2010، سَنَّ الكنيست الإسرائيلي قانونًا يلزم الحكومة بتضمين ملف “تعويض أملاك اليهود” في كل مفاوضات سلام تجريها مع الدول العربية، ومع زيادة الحديث عن الخطة الأميركية للسلام، بدأت إسرائيل بالعمل على حصر وتقدير الممتلكات اليهودية في الدول العربية والإسلامية (15).

ضم الضفة الغربية

من أجل تحقيق هدفها في منع إقامة دولة فلسطينية، تبنت الأحزاب الإسرائيلية اليمينية موقفًا موحدًا تجاه العمل على ضم الضفة الغربية أو أجزاء حيوية منها إلى السيادة الإسرائيلية. شكلت السيطرة على الأراضي الفلسطينية تاريخيًّا عنصرًا أساسيًّا ضمن العقيدة الأيديولوجية الإسرائيلية؛ حيث يقوم المشروع الإسرائيلي على الاستهداف المنهجي للفضاء الفلسطيني الجغرافي بإجراءات عسكرية أو قضائية لتعزيز السيادة الإسرائيلية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لتحقيق “مبدأ الانفصال” عن الفلسطينيين، بمعنى السيطرة على مساحات أوسع من الأراضي وتجمعات فلسطينية أقل. وتتمحور هذه الأخيرة حول مصادرة الأراضي الفلسطينية وتدمير الفضاء الجغرافي الفلسطيني وتطبيق نظام فصل عنصري تدريجي عن طريق تثبيت الحواجز والنقاط العسكرية وجدار الفصل العنصري بغية فصل التجمعات الفلسطينية عن بعضها بعضًا، وحصرها في كانتونات معزولة. فمنذ توقيع اتفاق أوسلو في حديقة البيت الأبيض، عام 1993، زاد عدد المستوطنين في الضفة الغربية وحدها بأكثر من ثلاثة أضعاف، من 116 ألفًا إلى أكثر من 413 ألفًا عام 2017، وهو ما يرجح ضم هذه المستوطنات إلى إسرائيل خاصة أن جزءًا مهمًّا منها يقع شرق الجدار الفاصل الذي أنشأته إسرائيل (16).

وحتى لو لم يتم ضم المستوطنات مباشرة في مرحلة ما بعد الانتخابات، فإن النمو الاستيطاني يجعل خيار الضم أكثر احتمالًا مع التوقع بتشكيل حكومة إسرائيلية يمينية. إن أكثر ما يقلق الفلسطينيين هو قوة الأحزاب في الكنيست التي تدعو أجنداتها الصريحة إلى ضم بعض أجزاء (أو كل) الضفة الغربية. فبدلًا من السلام، تعمل أحزاب اليمين واليمين المتطرف على دفع السياسات الإسرائيلية بالاتجاه المعاكس والضغط من أجل ضم الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية المطلقة وممارسة مزيد من التهميش ضد السلطة الفلسطينية ومؤسساتها. فمن المتوقع أن تضم الحكومة الإسرائيلية الجديدة قادة اليمين الإسرائيلي المنادين بضم الضفة والذين أعلنوا أنهم سيتبنون تشريعات لحماية حصانة نتنياهو في مواجهة لائحة الاتهام المتعلقة بالفساد ضده، وذلك حتى يتمكن من الاستمرار في العمل كرئيس للوزراء حتى لو واجه محاكمة. ليس بعيد المنال افتراض أن نتنياهو سيتعين عليه تقديم شيء مهم للغاية لشركائه في الائتلاف إذا ساعدوه بالفعل على البقاء في منصبه، خاصة فيما يتعلق بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. فقبل أيام من الانتخابات، أعلن نتنياهو أنه يدعم ضم التكتلات الاستيطانية والمناطق الاستراتيجية إلى إسرائيل، وأكد أنه لن يقوم بإخراج أي مستوطن إسرائيلي من الضفة الغربية بالقوة معلنًا أنه سيطبق “السيادة الإسرائيلية” في التكتلات اليهودية في الضفة الغربية (17). ومع أن نتنياهو أوضح أنه لا ينوي ضم كامل الضفة الغربية فإنه أكد أنه لن يزيل أية مستوطنة وأفصح عن نيته الاحتفاظ بسيطرة أمنية وإدارية كاملة على المنطقة (ج) والتي تشكل 60% من مناطق الضفة الغربية (18). وهذا يتماشى مع سياسات حزب الليكود الحاكم والذي تبنى في العام 2018 مشروع قرار ينص على فرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات وامتداداتها في الضفة الغربية المحتلة؛ بما فيها القدس، وضمها إلى نطاق السيطرة الإسرائيلية (19). وبالتالي، فمن المتوقع أن يعمل الائتلاف الحكومي الجديد تحت حكم الليكود على الاستمرار في سياساته القديمة القائمة على الضم التدريجي للضفة الغربية، عن طريق إصدار مزيد من التشريعات التي تعزز ما يسمونه “سيادة إسرائيل” في الضفة الغربية. والجدير بالذكر أنه تم تمرير ما لا يقل عن ستين مشروع قانون يمهد لضم الضفة الغربية في الكنيست المنتهية ولايته، وصودق على ثمانية قوانين دخلت بالفعل حيز التنفيذ (20)، وبهذا، يمكن فهم قانون الدولة القومية الذي أقرَّه الكنيست، في يوليو/تموز 2018، أنه يأتي ضمن هذا المسار لضم الضفة الغربية. 

ولا يبدو أن الإدارة الأميركية تُظهر حتى الآن أية معارضة للخطوات الإسرائيلية لضم الضفة الغربية بل على العكس يظهر من التصريحات الأميركية والدعم الشخصي لنتنياهو أنها تتفهم ذلك، وهو ما عبَّر عنه بصراحة وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، ردًّا على تصريحات نتنياهو الداعية لضم الضفة الغربية. كما لم تعلن إدارة الرئيس الأميركي، ترامب، حتى الآن معارضتها للتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية وهي لا تعتبر هذا التوسع بشكل عام عقبة في وجه عملية السلام، لا بل إن سفير ترامب لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، من أبرز داعمي الاستيطان في الأراضي الفلسطينية. وتتناسب هذه المواقف مع تسريبات حول رؤية أميركية لتسوية الصراع، تقوم على تقسيم المستوطنات إلى ثلاث مجموعات: تشمل المجموعة الأولى الكتل الاستيطانية الكبرى والتي ستضمها إسرائيل إليها، وهو ما يتوافق مع خطط اليمين واليمين المتطرف الإسرائيلي. الثانية: هي المستوطنات النائية التي لن يُسمح لها بالتوسع. والثالثة: هي المستوطنات العشوائية التي سيتوجب إخلاؤها (21). بالإضافة إلى ذلك، يشير اعتراف واشنطن -والذي قدمته لنتنياهو بين يدي الانتخابات- بضم إسرائيل لمرتفعات الجولان، إلى أن نتنياهو قد لا يواجه أي ضغط تقريبًا من واشنطن بخصوص ضمه بعض التجمعات الاستيطانية والمناطق المحيطة بها إلى السيادة الإسرائيلية.

رفض مبادرة السلام العربية 

تسعى إسرائيل إلى تجاوز المبادرة العربية للسلام، والتي أطلقتها المملكة العربية السعودية، عام 2002، في قمة بيروت العربية، والتي تشترط موافقة إسرائيل على حل الدولتين، وفق حدود 1967، وتدعو إلى حل “عادل” لقضية اللاجئين الفلسطينيين مقابل تطبيع الدول العربية للعلاقات معها والإعلان عن انتهاء النزاع العربي-الإسرائيلي. وبدلًا من ذلك تريد إسرائيل من الدول العربية التطبيع بدون التوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين (22). يعتقد نتنياهو أن خطواته لضم الضفة الغربية تلقى تفهمًا متزايدًا من قبل بعض القادة العرب الذين التقاهم وهم يتفهمون “تمسك” إسرائيل بالأراض الفلسطينية. وضمن هذا السياق أيضًا، تسعى إسرائيل، وبدعم وإشراف أميركي، إلى لعب دور محوري ولو بصورة غير رسمية، في تحالف عربي جديد بزعامة المملكة العربية السعودية، بهدف “التصدي” للنفوذ الإيراني في المنطقة، ويستطيع هذا التحالف تفهم “حاجة” إسرائيل إلى الاحتفاظ بالضفة الغربية. 

ظهر ذلك بوضوح في مؤتمر وارسو، الذي عُقد في فبراير/شباط 2019، وشاركت فيه أكثر من 60 دولة بما فيها العديد من الدول العربية وقاطعته السلطة الفلسطينية وانتقده الفلسطينيون باعتباره مؤتمرًا لتهميش وتصفية القضية الفلسطينية. وقد عمل المؤتمر بالفعل على التقريب ما بين الدول العربية وإسرائيل من جهة، وإعطاء التصدي لإيران أولوية على حل القضية الفلسطينية من جهة أخرى (23)؛ إذ شاركت الدول العربية لأول مرة إلى جانب إسرائيل في مؤتمر دولي، يركز على الشرق الأوسط منذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، وهذا الأخير كان حجر الأساس لانطلاق مؤتمر أوسلو ومفاوضات السلام الفلسطينية-الإسرائيلية. 

ولكن، على عكس ما كان في مؤتمر مدريد، يُجمع الفلسطينيون هذه المرة على أن هذا المؤتمر لا يهدف إلى حل القضية الفلسطينية بل إلى تهميشها، لأن المؤتمر بدلًا من تشجيع السلام ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين ركز على قلب الأولويات ووضع إيران على أنها المشكلة الأساسية في الشرق الأوسط دون التعرض للاحتلال الإسرائيلي. ففي فيديو مسرَّب من قِبل مكتب نتنياهو لجلسات المؤتمر السرية، أوضح العديد من وزراء الخارجية العرب أن إيران فحسب وليس عدم حل القضية الفلسطينية، هي المشكلة الأساسية في عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. من ذلك قال وزير الخارجية البحريني، خالد بن أحمد آل خليفة: إن عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين “ستكون في حال أفضل بدون سلوك إيران المؤذي”. ومما قاله أيضًا: “كبرنا ونحن نتحدث عن مسألة إسرائيل وفلسطين كأهم مسألة يجب حلها بصورة أو بأخرى”. ولكنه، بات يعتقد بأن التحدي الأكبر والأخطر في التاريخ العربي يتمثل في إيران والتي يجب مواجهتها “من أجل التعامل مع التحديات الأخرى”(24).

احتواء إيران وحلفائها في سوريا

يعمل التحالف الإسرائيلي مع بعض الدول العربية بصورة علنية على احتواء نفوذ إيران في الشرق الأوسط وإضعاف دورها في سوريا، وخاصة في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي. تركز إسرائيل حاليًّا على منع إيران من تعزيز قواتها في سوريا عن طريق الخط البري الممتد من إيران، عبر العراق وسوريا إلى لبنان، كما لعب تمركز القوات الأميركية في شمال شرق سوريا وعلى طويل الحدود العراقية دورًا مهمًّا في منع طهران من نقل “أسلحة متطورة” وتكنولوجيا عسكرية “حديثة” عبر الحدود (25). ولكن من المحتمل أن يتغير هذا الواقع إذا عملت الولايات المتحدة على إتمام انسحابها من سوريا وهو ما قد يعني زيادة الاشتباك الإسرائيلي في سوريا كي تقوم بهذه المهمة بنفسها. ولكن لابد من الإشارة هنا، إلى أن هذه التطورات ستقوم إسرائيل بالتعامل معها بغضِّ النظر إذا شكَّل نتنياهو أو غانتس الحكومة الجديدة. فحتى في حالة استبدال نتنياهو، فإن أية حكومة إسرائيلية مستقبلية ستواصل السعي للحصول على تأمين حدودها الشمالية مع سوريا ولبنان عن طريق توجيه ضربات منتقاة للأهداف الإيرانية وحليفها حزب الله سواء في قلب سوريا أو على الحدود اللبنانية السورية التي “تخشى” إسرائيل من أن تتحول إلى ممر لنقل الأسلحة “المتطورة” إلى حزب الله.

السيناريوهات المتوقعة 

مع اتجاه نتنياهو لتشكيل ائتلاف حكومي يميني ضيق، يبدو أن السياسة الإسرائيلية تتجه إلى مزيد من التطرف تجاه الفلسطينيين والانفتاح تجاه الدول العربية بهدف “التصدي” للنفوذ الإيراني في الشرق الأوسط؛ حيث من المتوقع أن تتفاعل السيناريوهات الثلاث في المستقبل القريب، وهي:

أولًا: السياسة الإسرائيلية تتجه نحو مزيد من التطرف: من الناحية النظرية يمكن لأكبر حزبين إسرائيليين، الليكود وحزب كاحول لافان، أن يشكِّلا حكومة وحدة وطنية، وستكون في وضع يمكِّنها من متابعة “صفقة سلام” وتنفيذها إذا كانت خطة ترامب “غير المعلنة” والتي طال انتظارها، بمثابة مخطط حقيقي ينهي الصراع العربي-الإسرائيلي ويحقق بالمقام الأول المصالح الإسرائيلية الاستراتيجية. 

ولكن هناك عوامل تجعل هذا السيناريو غير مرجح للغاية؛ حيث وعد قادة حزب كاحول لافان بأنهم لو قبلوا بحكومة مع “الليكود” لن تكون إلا بدون نتنياهو، وأي تراجع عن هذا الوعد لتشكيل تحالف مع نتنياهو، من المحتمل أن يكون بمثابة النهاية لحزب كاحول لافان، لأن الناخبين سيرفضون بشكل قاطع مثل هذه الخطوة. بالمقابل، ليس لدى نتنياهو حاجة إلى حزب كاحول لافان، وخاصة إذا انضمّ أفيغدور ليبرمان إلى الائتلاف الحكومي الذي ينوي نتنياهو تشكيله وأيده، ومع استبعاد أن تقع أية مفاجأة مثل محاكمة نتنياهو قد تعجِّل بإجراء انتخابات إسرائيلية جديدة، فإن تحالف اليمين المتطرف سيقوم بتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة.

وضمن هذا السيناريو الأخير، من المتوقع أن تسيطر الأحزاب الإسرائيلية اليمينية والدينية المتطرفة على المشهد السياسي الإسرائيلي خلال السنوات الأربع القادمة، ومن المحتمل أن يتم تبني سياسات متطرفة في المجالات التالية:

1. رفض أية فرص للتسوية مع الفلسطينيين حتى لو تطلبت تنازلات كبيرة ومؤلمة من الفلسطينيين على غرار خطة ترامب للسلام؛ حيث أعلنت بعض هذه الأحزاب عن معارضتها الثابتة لأية خطط يمكن أن تؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية. 

2. إلى جانب التوسع الاستيطاني، سيعمل أعضاء الحكومة على مواصلة سنِّ قوانين لإضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية غير القانونية، وتسهيل مصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية، وضم المستوطنات تدريجيًّا من خلال توسيع نطاق اختصاص القانون الإسرائيلي إلى المناطق الفلسطينية. 

3. ستواصل الحكومة إضفاء الشرعية على التمييز ضد المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، من خلال تطبيق قانون الدولة القومية الذي يستلزم معاملة تفضيلية لليهود. 

4. ستواصل الحكومة قمع أساليب المعارضة غير العنيفة مثل الدعوة إلى مقاطعة المستوطنات أو إسرائيل.

5. ستواصل وزارة التعليم دمج المزيد من المناهج القومية والدينية والبرامج غير المنهجية في المدارس العامة.

6. سيتم منح وزارتي الداخلية والشؤون الدينية، للأحزاب الدينية “المتطرفة”، التي ستواصل تعزيز وترسيخ الطابع الديني للدولة. 

أخيرًا، سيتم منح وزارة العدل لأحد الموالين المخلصين لنتنياهو؛ ما يسمح له بالهيمنة على النظام القضائي الإسرائيلي وتجييره لصالحه، لاسيما وأنه من المتوقع اتهامه بالفساد قريبًا، بالإضافة إلى الاستمرار في تعيين مزيد من القضاة الذين يؤيدون اليمين والاستيطان. 

ثانيًا: تلاشي الأمل بإقامة دولة فلسطينية: أسهم فوز الأحزاب اليمينية في الانتخابات في جعل حل الدولتين أكثر هشاشة، ليس فقط في إسرائيل بل في الولايات المتحدة الأميركية التي باتت داعمًا أساسيًّا لتوجهات اليمين الإسرائيلي. ولا يبدو أن الخطط الأميركية للسلام ستوفر فرصة حقيقية للفلسطينيين للمضي قدمًا نحو إقامة الدولة والاستقلال، حيث تميل الخطة بشكل كامل إلى الاستجابة للمتطلبات الإسرائيلية الأمنية والسياسية. لذلك، من المرجح ألا تقدم الخطط الأميركية للفلسطينيين فوائد سياسية كبيرة، والفلسطينيون على الأغلب سوف يرفضونها كما صرَّح أكثر من مسؤول فلسطيني خلال الفترة الماضية. لهذا، لا يحتاج نتنياهو إلى تشكيل ائتلاف يمكِّنه من دعم وتنفيذ خطة مبرمجة للسلام، وسيترسخ مركز السياسة الإسرائيلية في أقصى اليمين. 

ثالثًا: مزيد من التقارب الإسرائيلي-العربي: من المتوقع أن يزداد التقارب الإسرائيلي-العربي في مرحلة ما بعد الانتخابات، حيث هناك حاجة متبادلة ما بين نتنياهو وبعض الدول العربية، وخاصة المملكة السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين، لتشكيل تحالف سياسي وعسكري في المنطقة تجاه تصاعد الهيمنة الإيرانية في الإقليم.

تتطلع إسرائيل إلى الاستفادة من مثل هذا التحالف -أو على الأقل التعاون- في مجال الأمن وتبادل المعلومات والاستخبارات. فالتحولات المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط والمتمثلة في هزيمة تنظيم الدولة، وإعلان الولايات المتحدة سحب قواتها من سوريا، والتوتر المتصاعد مع إيران، سيحتم على إسرائيل الاشتباك أكثر في منطقة تعج بالقوى الإقليمية والدولية المتنافسة من أجل المحافظة على مصالحها. ستواجه إسرائيل على الأغلب في مرحلة ما بعد “الحرب السورية” العديد من التحديات المرتبطة بتمركز إيران في سوريا، والتوتر المتصاعد مع حزب الله في لبنان. 

خاتمة 

يتسم الوضع الراهن في مرحلة ما بعد الانتخابات الإسرائيلية بهيمنة واضحة لليمين الإسرائيلي على المشهد السياسي الإسرائيلي وتآكل فرص حل الدولتين مع التوسع في الاستيطان في الضفة الغربية، والعمل على ضم أجزاء منها تدريجيًّا. وضمن هذا السياق، يمكن فهم الهجوم الشرس على الحقوق المدنية المتساوية للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، من خلال قانون الدولة القومية أولًا، وكذلك من خلال محاولات إضعاف المحكمة العليا، وحملة قمع الناخبين العرب عن طريق نشطاء الليكود، كخطوات تمهيدية من قبل اليمين الإسرائيلي لضم أجزاء أو كل الضفة الغربية. ويحاول اليمين المتطرف من خلال التقليص المستمر للحقوق المدنية للأقلية العربية في إسرائيل والتمييز ضدها، إرساء أسس نظام إسرائيلي جديد لم تعد فيه حتى المساواة الإجرائية والرسمية هي القاعدة الأساسية. سيسمح هذا لإسرائيل بضم أجزاء من الضفة الغربية حتى لو كانت تضم بعض السكان الفلسطينيين، وليس من المتوقع منحهم الجنسية الإسرائيلية، وفي حال تم ذلك، سيكون فقط بصورة رسمية شكلية مع إبقاءهم عمليًّا مواطنين من الدرجة الثانية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* محمود جرابعة، باحث في معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا الاجتماعية. 

**ليهي بن شطريت، أستاذة مساعدة في كلية الشؤون العامة والدولية في جامعة جورجيا في أثينا.

مراجع

1-        قناة الجزيرة الإخبارية، استعدادًا للانتخابات: نتنياهو يلجأ لليمين المتطرف، 12 فبراير/شباط 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2DexbKx

2-        تايمز أوف إسرائيل، وكالة علاقات عامة تعلن مسؤوليتها عن الكاميرات الخفية في محطات الاقتراع العربية، 11 أبريل/نيسان 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2XjXvuF

3-        هناك في الأصل شكوك عربية حول المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية، والتصوير سيزيد خشيتهم من التعرض للتضييق لاحقًا بعد الانتخابات.

4-        عبد الرؤوف أرناؤوط، المرشحون العرب يشتكون كاميرات سرية ثبتها “الليكود” بمراكز الاقتراع، وكالة الأناضول، 14 أبريل/نيسان 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2IqeAzt

5-        راؤول ووتليف، حزب أزرق أبيض يصدر طرحه السياسي “لا انسحاب آخر”، تايمز أوف إسرائيل، 6 مارس/آذار 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2UKCxbw

6-        قناة الجزيرة الإخبارية، تحالف الجنرالات.. سفاحون في المشهد السياسي بإسرائيل، 8 مارس/آذار 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2IkfcGL

7-        تايمز أوف إسرائيل، أسباب انتشار الآراء اليمينية والمتحفظة في أوساط الإسرائيليين الشباب، 14 أبريل/نيسان 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2PcWrWv

8-        نفسالمصدر السابق.

9-        يوضح الجدول اتجاهات التصويت بين الناخبين الإسرائيليين تجاه نتنياهو وغانتس والذي أجراه مركز غوتمان قبل الانتخابات (3 أبريل/نيسان 2019) في معهد إسرائيل للديمقراطية. ينظر المصدر السابق.

10-      تشمل هذه الأحزاب: حزب الليكود 36 مقعدًا، اليمين المتحد 5 مقاعد، كولانا 5 مقاعد، وإسرائيل بيتنا 5 مقاعد.

11-      في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2018، استقال ليبرمان من منصبه كوزير للدفاع في حكومة نتنياهو احتجاجًا على وقف إطلاق النار في غزة. بي بي سي، استقالة وزير الدفاع الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، احتجاجًا على وقف إطلاق النار في غزة، 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): http://www.bbc.com/arabic/middleeast-46206695

12-      الجدول من إعداد الباحث.

13-      المدن، نتنياهو: الانقسام الفلسطيني ليس بالأمر السيء، 6 أبريل/نيسان 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2Xk0Qdb

14-      للمزيد حول الخدمات التي تقدمها وكالة الأونروا، انظر إلى موقع الأونروا الرسمي على الإنترنت والذي يشمل معلومات مفصلة وإحصاءات عن نشاطاتهم المختلفة، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://www.unrwa.org/ar/what-we-do

15-      قناة الجزيرة الإخبارية، إسرائيل تسعى لمطالبة دول عربية بـ250 مليار دولار تعويضات، 6 يناير/كانون الثاني 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2SM8qLq

16-      هادي عمر، هل صوَّت الإسرائيليون لإنهاء حلِّ الدولتَين؟ بروكنجز، 10 أبريل/نيسان 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://brook.gs/2V1x1Ay

17-      موقع رام الله الإخباري، نتنياهو عن غزة: لم يُقتل إسرائيلي واحد خلال السنوات الأربع الماضية، 8 أبريل/نيسان 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2UX0qfg

18-      نفس المصدر السابق.

19-      وكالة معًا الإخبارية، كتلة استيطانية جديدة وسط الضفة، 19 يناير/كانون الثاني 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): http://www.maannews.net/Content.aspx?id=973369

20-      محمد محسن وتد، لماذا غيبت إسرائيل الصراع مع الفلسطينيين عن أجندة الانتخابات؟، قناة الجزيرة الإخبارية، 9 أبريل/نيسان 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2UCOYG8

21-      قناة الجزيرة الإخبارية، تفاصيل جديدة لـ”صفقة القرن” والسلطة تتمسك بالقدس الشرقية، 17 يناير/كانون الثاني 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2RVE4cc

22-      للمزيد حول التطبيع العربي-الإسرائيلي، انظر محمود جرابعة، مرحلة جديدة من التطبيع العربي الإسرائيلي وآفاقه، مركز الجزيرة للدراسات، 26 ديسمبر/ كانون الأول، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2018/12/181226063800813.html

23-      رفائيل أهرين، نتنياهو في وارسو: بالنسبة للقادة العرب، التهديد الإيراني أكثر إلحاحًا من الفلسطينيين، تايمز أوف إسرائيل، 15 فبراير/شباط 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2KDzOvJ

24-      رفائيل أهرين، فيديو سربه مكتب نتنياهو يظهر وزراء دول عربية يدافعون عن إسرائيل ويهاجمون إيران، تايمز أوف إسرائيل، 15 فبراير/شباط 2019، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2DJ3OQ1

25-      جوداه آري غروس، نتنياهو: سنكثف جهودنا ضد إيران في سوريا بعد الانسحاب الأميركي، تايمز أوف إسرائيل، 20 ديسمبر/كانون الأول 2018، (تاريخ الدخول 15 أبريل/نيسان 2019): https://bit.ly/2IzlDoP

Written by 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.