النفط واستبداد الشعوب ! الزبائنية الجماهيرية كمضاد للديمقراطية الحقيقية. د. محمد أبو النواعير*

من المعلوم أن عصب الاقتصاد بات في زماننا الحاضر يمثل الأساس الذي
تحيى به المجتمعات, ويتحقق به السلام, وتنهض عند حسن تدبيره الأمم؛ وقد
واجهت الدولة العراقية مشاكل بنيوية في بنيتها الاقتصادية منذ فترة
تأسيسها الحديثة, ولا زالت تعاني منها إلى اليوم, حيث عجزت عن تحقيق
الموائمة بين الأهداف التي تقع ضمن اختصاصها ، في ظل بيئة سياسية و
اقتصادية و اجتماعية، تعاني و بصورة مستمرة من تقلبات مختلفة و بفعل
عوامل متباينة .

هذه المشاكل التي اعترضت البنية الاقتصادية العراقية وسياساتها
المالية، لم تتولد  فقط عن ضعف الإدارة المالية، أو تدني في مستوى و حجم
الكفاءات الضرورية لمهام السياسة المالية، بل الأمر يتعدى ذلك إلى
الاصطدام بالطبيعة البنيوية المعقدة لهيكل الاقتصاد العراقي، و التي
ارتكزت بالأساس على التوافق اللامتكافيء بين قطاعين : احدهما متقدم و
الآخر متخلف، الأمر الذي خلق معه صعوبة الارتكاز على هيكل اقتصادي متكافئ
قادر على توليد فائض اقتصادي، مما قاد إلى الاعتماد كليا على نمط
الاقتصاد الريعي, والذي يمثل نوع الاقتصاد الكسول والإتكالي, الذي تتمحور
حول أقطابه عادة : السياسة والعسكرة والإعلام, متجهة وبقوة نحو خلق حالة
من العلاقة الزبائنية بينها وبين القاعدة الجماهيرية للبلد, والتي هي من
المفترض(القاعدة الجماهيرية) تمثل المُصَنِّع للسياسة في ظل الحكم
الديمقراطي!

قاد الاقتصاد الريعي بلدا كالعراق إلى حالة تناقض صارخة, لم تتمكن
مؤسسته الإقتصادية من التخفيف من حدته, فالكفاءة الاقتصادية يجب عليها أن
تكون مقرونة بمبدأ العدالة التوزيعية, والحاصل هو أن المنظومة الاقتصادية
عجزت عن تحقيق حالة العدالة التوزيعية, بسبب عدم توفر الكفاءة الإقتصادية
التي تقوم من جانبها على مقومات كثيرة, تتعارض هذه المقومات مع سطوة
المؤثرات التي تتبناها عادة مجموعة الحكم, والتي تتضارب مصالحها أحيانا
مع مبادئ الكفاءة الاقتصادية (الإنتاجية), إضافة إلى كونها (أي مجموعة
الحكم), تعمد دوما إلى التمترس حول الاقتصاد الريعي, ومن خلال إنشاء
أنساق سياسية وأسرية وقانونية وعشائرية, مدعومة أحيانا بأوضاع إقليمية
ودولية, من أجل إطالة أمد بقائها وتسلطها على موارد الاقتصاد الريعي .

يتفق اغلب المنظرين الاقتصاديين, على أن أشكال الطبيعة الريعية, وما
تجر ورائها من أوجه متعددة للاستبداد التسلط, إنما تكون في أسسها
البنيوية, إحدى أهم عوامل تكسير عجلة الديمقراطية, من خلال إفراغها
(الديمقراطية) من محتواها الرئيس ! فالديمقراطية تقوم على مبدأ أساسي
ومهم جدا, ألا وهو الحرية السياسية للأفراد والجماعات, تقييد هذه الحرية
يكون غالبا في الدولة الريعية، من خلال تحول الفرد أو الجماعة, إلا تابع
زبائني, لمن يملك المقدرات الاقتصادية في الدولة.

هذه الفئة المالكة تكون عادة، إما فرد (دكتاتور) أو  (جماعة مسيطرة)
على موارد السلطة, وتنجح دوما في إعادة خلق وإيجاد نفسها في العملية
السياسية، فتحكمها الغير مرئي بكل مفاصل الاقتصاد الريعي (الذي لا يشترك
الجمهور في إيجاده أو تكوينه), يقود إلى أن تكون هذه الفئة هي المسيطرة
على كل المقدرات, وهي التي تحرك الجمهور (والذي يكون في العادة متكلا
عليها تماما: كدولة او كسلطة او كحكومة) في معاشه, فيتحول المواطن عندها
كزبون, ليس له دور في الدولة (الديمقراطية), إلا أن يكون تابعا لأدوات
اقتصادها المسيطر عليها من قبل فئة الحكم، عندها ينتظم المجتمع في هيكل
أشبه بهرم من الشرائح الريعية, تقف الدولة على رأسه باعتبارها المصدر
الأول للريع والملاذ الأخير للشرائح الريعية !

عندما تكون (فئة الحكم) قادرة على شراء الاجماع، عن طريق توزيع
السلع والخدمات والدخل بين مواطنيها لقاء القليل او لقاء لا شيء فإنها
ليست بحاجة الى شرعية ديمقراطية، فالشغل الشاغل للفاعلين السياسيين في
الدولة الريعية هو الإمساك والسيطرة على مصادر الريع والاستحواذ عليه,
بما يضمن آليات إعادة إنتاج الهيمنة والسيطرة والنفوذ, والمحافظة على
قائمة الأولويات التي تخصها بالذات, الأمر الذي لا يصلح لتنظيم الإجماع
وتأييد الأغلبية.

والدولة الريعية وكما تشير التجربة الملموسة، تلد الاستبداد والتسلط،
بسبب طبيعة بنيتها والقوى التي تستند إليها, فالاقتصاد فيها توزيعي وليس
إنتاجي, وبما أنه توزيعي, فهو يجعل المواطنين دوما يقعون تحت رحمة
وقرارات واستثناءات (فئة الحكم), وهذا يفرض بالتالي ضعفا كبيرا في الدور
الوجودي للمواطن أو الجمهور في العملية السياسية الديمقراطية, بل ويجعل
عملية الاستغناء عن العملية السياسية’، واستبدالها بصيغة من التحالفات
التقليدية، التى توفر نوعا من الاستقرار النسبي الشكلي  بفعل  عملية
التوزيع الريعية التي تحقق ” التوافقات ” بين القوى المتنفذة رغم
تناقضاتها المعروفة !

حل المشكلة الريعية لا يكون بالاقتصار فقط على تصحيح أسس بنية النظام
الاقتصادي, بل إن المعادلة تقوم على ثلاثية إصلاح، لا يمكن الإخلال بأحد
أطرافها, وهي : إصلاح التعليم العالي (لتأسيس بنية قادرة على الإنتاج),
وإصلاح النظام السياسي (بتقوية مجموعات الضغط اللاحكومية- للحد من تغوّل
فئة الحكم), وأخيرا أصلاح بنية النظام الاقتصادي (بالاعتماد على نظام يتم
فيه دمج ثنائية : “الخاص- العام”, و”المقيد حكوميا – الحر”), ليكون
للمواطن دور ومشاركة في بناء النظام الاقتصادي, دون الاتكال على الدولة
(فئة الحكم), بشكل كامل .

*دكتوراه في النظرية السياسية/ المدرسة السلوكية الأمريكية المعاصرة
في السياسة.

Written by 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *