عامر العظم يدعو الشعب الأردني لإسقاط جميع النخب وقذفها في مزبلة التاريخ

عامر العظم يدعو الشعب الأردني لإسقاط جميع النخب وقذفها في مزبلة التاريخ

 

ملاحظات هامّة حول المشهد الأردني الفريد .
الملاحظة الأولى (سقوط أو اسقاط النخب) .

مشهد الأردن طيلة الأيام الماضية كشف بشكل واضح سافر أنّ الشعب قد اتخذ قرارا بإسقاط جميع النخب من علية القوم الرسميين وشبه الرسميين، وكلّ من يمثّلون الأطر السياسية الرسمية وشبه الرسمية ، وأبواقهم من مختلف الأصناف والأشكال والألوان …… ولم يسمح لأحد منها بتصدّر المشهد.
وأمر طبيعي أن يسقط الشعب تلك النخب المومأ إليها ؛ لأنّه انتظر منها موقفا مشرّفا طيلة عقود عانى فيها الشعب من الفقر والقهر وهو يرهق العسف ويسام الخسف، وكانت تلك النخب ما بين صامت صمت القبور ، أو مدافع عن نهج الفساد والاستبداد ، وأمثلهم طريقة من كان يتصدر أي تحرّك شعبي لتصويب الأوضاع فيجهضه حتى يعود الشعب للاستسلام مرّة أخرى ، والذي يلوح لي أنّ الشعب قد وصل إلى حالة من الوعي والنضج بحيث لم تعد تنطلي عليه حيل تلك النخبة الفاسدة التي كانت تتبادل الأدوار لحماية مسيرة الفساد والاستبداد وسحق الشعب وتدمير مقدرات الوطن.
وأجمل ما في الأمر أنّ هذه النخب التي صنعها النظام طيلة عقود كثيرة من الزمن، وأنفق عليها الكثير، وحباها بالامتيازات والمكاسب المادية والمعنوية قد ظهرت على حقيقتها الضعيفة الهشّة التي لا يعتمد عليها بشيء ، بل أنّ ضررها أكبر من نفعها بكثير ، وهذا الأمر قد يتفاجأ به النظام، ولكنّه لم يكن مفاجئا لأصحاب البصائر وأهل الأحلام والنهى ، فهذه النخب لم تنشأ بشكل اجتماعي طبيعي حسب قوانين الحياة الطبيعية، وإنما كانت مجرد صنائع من (التنابلة) و(المتمجدين) الذين انحصرت همومهم وتفكيرهم ب(كروشهم ) و(قروشهم)، فكانوا في واد والشعب والدولة في واد آخر ، وبين الواديين فارق خمسين عاما على الأقلّ تقدّم فيها الشعب على تلك النخب النائمة الغائبة عن المشهد.
لذلك لن نستغرب إن وجدنا تلك النخب غائب وعيها كما هو (غائب سعدها ) عمّا يجري من انتفاضة شعبية عارمة، فنسمع في هذا الظرف الحرج أنّ شخصية من العيار الثقيل تخوض معركة مع رئيس الوزراء الجديد من أجل اجباره على إبقاء وزير من الوزارة السابقة لأمور تتعلق بمصالح و(بزنس) تلك الشخصية، ولم يكن مستغربا أن تقوم شخصية في موقع مرموق باتهام الشباب المحتجّ بأنّهم من الفارين من وجه العدالة من المطلوبين ، وبالتأكيد هو لا يعلم أنّ أكثر من 50% منهم هم من حملة الشهادات الجامعية ، ولا يعلم أنّ غالبيتهم من المتقاعدين وصغار الموظفين الذين أخرجهم الجوع ، ولم يقف عند ما صرّحت به الدكتورة رولى الحروب قبل عامين حيث كشفت “عن وجود 650 ألف مواطن مطلوب لدائرة التنفيذ القضائي بسبب مستحقات مالية مترتبة عليهم، ولم يتمكنوا من سدادها نظرا للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يمروا بها، مشيرة إلى أن عددا من اولئك المواطنين مطلوبون على مبالغ صغيرة جدا، حيث أن فاتورة كهرباء قد تتسبب بحبسه مدة يومين أو ثلاثة ودون السماح له بالاتصال مع محامٍ أو مع ذويه”….. وحتى لو سمع بهذا الأمر فإنّه لن يستوقفه لأنّه لا يدرك ماذا يعني (650) ألف من شعب تعداده بحدود السبعة مليون !!
ولست أدري هل استيقظ حكماء وكهنة وسدنة النظام على هذه الحقيقية المفزعة الموجعة المفجعة التي كشفت أنّ (أزلامه ) بهذا المستوى من الهشاشة والضعف، وأنّهم لا يصلحون للتعامل مع هذا الشعب، بل هم غير مؤهلين للتعامل معه في الأزمات .

الملاحظة الثانية لقد استيقظ الشعب ولن يلدغ مرّة أخرى .

اعتاد النظام أن يضحك على الشعب ويخدعه كلما حصلت هبّة شعبية ضدّ الظلم والقرارات الجائرة بأن يقوم بتغيير الحكومة مع بقاء تلك القرارات والقوانين التي أثارت الناس، حصل ذلك في هبّة نيسان عام 1989م ، ومع حكومة الثورة البيضاء ، فتسقط الحكومة وتأتي حكومة جديدة لاستئناف المسار من حيث انتهت سابقتها، والذي يلوح لي أنّ الشعب لم تعد تنطلي عليه هذه الحيلة بدليل أن أعداد المحتجين في ازدياد على الرغم من إقالة حكومة الملقي وإن كانت بعض الجهات التي تحاول تصدّر المشهد تحاول خداع الناس بحصر مطلبهم بقانون الضريبة ، وتحاول اقناعهم بعدم دستورية مطلبهم بسحب القانون قبل تشكّل الحكومة ، وهذه الحجّة التي يحاولون اقناع الناس بها إن دلّت فإنّها تدلّ على أنّهم يفتقرون للعقليات السياسية والوعي السياسي ، ففي مثل هذه الظروف والناس منتفضة بالشوارع يكون الحسم للسياسي وليس القانوني كما هي طبيعة الحياة في كلّ عصر ومصر ، ولكن أنّى لهم أن يدركوا ذلك.
ومع هذا وذاك فإنّ هذه الانتفاضة لم تعد تقف عند قصّة قانون الضريبة كما تتمنى تلك النخب ، ولكنّها تجاوزت ذلك بالمطالبة بالإصلاح الشامل والفوري في كافّة المجالات ، ولم تعد تنطلي عليها مقولة التدرّج بالإصلاح ، تلك المقولة الفاجرة الكاذبة المخالفة للواقع ، فما يجري هو ليس تقدما للأعلى والأمام ولكنّه سير للخلف والانحدار ، والشعب يدرك أنّه لا يأتي عام إلاّ والذي قبله خير منه ، ومقارنة بين سيادة القانون ومؤسسات الدولية المدنية في ستينيات وخمسينيات القرن العشرين يظهر أنّ أحوال الدولة كانت أفضل بكثير مما بعدها على الرغم من طبيعة الحياة القاسية آنذاك ، وكذلك يلاحظ أنّ عقدي السبعينيات والثمانينات أفضل مما بعدها وهكذا حتى وصلنا لدولة مستعمرة مختطفة من قبل زمرة تدار من قبل صندوق النقد الدولي أوصلت الوطن إلى حالة الانهيار.
المراقب للمشهد يتوقع أنّ هذه الانتفاضة لن تتوقف عند سحب قانون ، ولا حتى رحيل الحكومة الجديدة واستبدالها بحكومة أخرى مهما حاولت تلك النخب البائسة، وهي ستستمر حتى تحقق منجزات ملموسة في تحرير الوطن من الهيمنة الأجنبية ، والزمرة المتماهية مع مخططات القوى الدولية التي سارت بمخطط تفكيك الدولة حتى كاد يصل إلى نهايته.

الملاحظة الثالثة (شعب متحضّر مثقف منتمٍ يستحق الكرامة والتكريم) .

لم يفتخر جلالة الملك بهذا الشعب ويعلن عن سعادته به من فراغ حيث قال في لقائه الصحفي قبل ثلاثة أيام ما نصّه : ” ما رأيته خلال الأيام الماضية يجعلني أشعر بالسعادة وأتشرف بأنني أردني” وقال : ” أفتخر بما شاهدته من تعبير حضاري من الشباب الأردني في الأيام الماضية.” ، فإن يتداعى عشرات الآلاف من أبناء الوطن للخروج للشوارع محتجّين على سياسة التدمير الممنهج لوطنهم بدون قيادات أو أطر سياسية تتولى تنظيمه وتوجيهه، ثم تكون مسيرات منظّمة بشكل حضاري ، فلا يحصل فيها اعتداء على المؤسسات والممتلكات العامّة ، ولا تسمع فيها كلمة نابية ، وتتعامل مع رجال الأمن بمنتهى المودّة والمحبّة والاحترام ، ويبادلها رجال الأمن نفس السلوك ،وتشاهد في تلك الجموع أبناء المدن والقرى والبوادي والمخيمات صفّا واحدا كأنّهم إخوة أشقاء متحابين متكافلين متضامنين ، ويحافظ على هذه الصورة الرائعة ويوصلها لجميع أنحاء العالم بواسطة إمكانيات إعلامية متواضعة من كاميرات هواتفه النقّالة وكاميراتها ومواقع التواصل الاجتماعي ومع غياب شبه تامّ للإعلام الرسمي أو شبه الرسمي __ أقول : إنّ هذا لعمري يعد معجزة من المعجزات ، ومفخرة عظيمة لا تدانيها مفخرة ، وهذا الشعب بهذا السلوك قد أوصل رسالة واضحة وصريحة للداخل والخارج بأنّه شعب كامل النضج والرشد والأهلية لتحمّل المسؤولية بعكس ما حاولت قوى الفساد والاستبداد أن تصوّره ، والتي كانت تنصّب نفسها وصيّا عليه بحجّة حمايته من نفسه بحسب زعمها.
لقد أثبت هذا الشعب أنّه فعلا شعب طليعي مستنير متحضر منتمٍ عصيّ على الاختراق ، وأنّ جرّه للفوضى والدمار هو حلم بعيد المنال ،وشعب بمثل هذه الصفات والمواصفات فإنّه يظلّ كما كان هو قلعة الأمّة الآمنة ، وحصنها الحصين ، وطليعتها الراشدة.
وشعب بكلّ تلك المميزات يستحقّ دولة إنسانية راشدة تكون فيها (السلطة والثروة ) له، وتكون إنموذجا يتمنى جميع العرب والمسلمين أن يحظوا بمثلها ، فهذا الشعب هو الذي يستحق مثل تلك الدولة التي تحقق له الحياة الكريمة ، لا أولئك المغتصبون من شذّاذ الآفاق الذين تفاخر رئيسهم ” نتنياهو ” قبل سنوات بأنّ شعبه هو الوحيد الذي يتمتع بالحرية والديمقراطية والحياة الكريمة خلافا لمن يحيطون به من الشعوب العربية التي تعيش مستعبدة , مسلوبة الإرادة .
وختاما فإنني أقدّم هذا المشهد الحضاري الراقي الذي ستجدونه على الرابط المرفق ، والذي له دلالات عميقة يجب على أصحاب القرار أن يقفوا عندها فيسارعوا للحفاظ على هذا الشعب بالنزول عند رغبته بالمباشرة الفورية بالإصلاح الشامل الذي يحقق لهذا الشعب الحياة الكريمة التي يستحقّها ، وأناشدهم بألاّ (يلزوا الناس على الطور) ويجبروا الشقيق على الاصطدام مع شقيقه والوالد مع ولده …….
يا أصحاب القرار اعيذكم بالله من أن تكونوا من أهل هذه الآية ”
” الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ” ………..
والأمل بكم أن تكونوا من أهل هذه الآيات :
” الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ ” ………
وأذكرهم بأنّ جيل الأجداد ما ثار في مطلع القرن العشرين إلاّ من أجل (الحرية والكرامة والحياة الفضلى) ، وما بنى الدولة الأردنية إلاّ من أجل تحقيق ذلك ،فعاش الأجداد ثم الآباء الحلم الذي لم يتحقق، وها نحن الأحفاد في خريف العمر ونحن لا نزال نحلم نفس الحلم ، وأنّ حلما تأخّر مئة عام قد آن له أن يتحقق .

https://www.facebook.com/falah.adayhim?fref=ufi

https://www.sarayanews.com/article/491282

Written by 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *