الرهان على الرهان الخاسر !سيف ابراهيم

الرهان على الرهان الخاسر !

وفقا للمنطق و للتجربة الجميع يعلم ان لا ديمومة لشيء مطلقا ، و الحياة في تغير مطرد بين كمي و نوعي ، لذلك نجزم ان دوام الشيء هو انما عدم دوامه و الحقيقة الوحيدة الثابتة وفق مداركنا هو اللاثبات ، هذا الامر يدخل في كل مجالات حيواتنا الدنيوية و لا مناص من التسليم بذلك .
لو اخذنا جانب الحياة السياسية على المستوى العراقي لوجدنا ان التغير على مستوى البرامج و الوجوه لم يحدث الا طفيفا منذ العام 2005 حتى ما قبل وصولنا لمشارف انتخابات 2018 ، فقد كانت جل القوى السياسية تحمل ذات الافكار و الرؤى و البرامج الفضفاضة البلاغية الشعاراتية و الصراع حينها بكل فترة انتخابات انما تكون ادواته المظلومية و التهميش و الطائفية و هذا كان انما يعكس مدى عبثية القائمين على السلطة و كم الضعف و الهوان الذي يحيط بمن يريد الوصول اليها ، فلا من بالسلطة واعٍ و لا ذاك الذي يروم الامساك بها ، هذا يجعلنا نوقن ان التغيير الذي كان يحدث ابان كل دورة انتخابية انما كان تغيرا كميا بكل معنى الكلمة ، مما يدعم فرضية الثبات و الركود السياسي طيلة تلك الفترة الماضية ، و يتوجب هنا القول بأن الوعي الشعبي و العقل الجمعي للناس كان يناغم هكذا توجهات طائفية بل يدعو لها و يدعمها حتى يصل به الحال لانتخاب من هو الاكثر صدحا بالانتقام من الاخر ، تدميره و القضاء عليه ، كل هذه العوامل انتجت لنا في خواتيمها اسطورة داعش ، فكانت الحرب و التي حصدت الاف من الشهداء و اضعاف مضاعفة من الايتام و الارامل و الثكلى ، و خسائر في البنى التحتية و المنشأت الحكومية و الدور السكنية ما يقدر بعشرات مليارات الدولارات . ان دخول داعش كان هو الحدث الابرز و اللاعب الاهم في تغيير توجهات الشارع العراقي و كيفية نظرتهم للسياسيين ، نعم فلم يكن هذا التغيير في مدركات الشعب جرّاء الخطب او المؤتمرات او بسبب عمل مؤسسات المجتمع المدني المزيفة ، ابدا لم يكن لرجال السياسة و  الثقافة و لا حتى رجال الدين الا النذر اليسير في ايقاظ الوعي لدى العامة من الناس ، و كان الفضل الكبير يعود لداعش من جهة و لحتمية التغيير التي تحدثنا عنها من جهة اخرى ، حيث ان مرحلة انهيار مدن العراق كانت هي قمة التغير الكمي لما كان موجودا حينها و بذلك حدث الانتقال لحالة اخرى بحكم التغير النوعي .
هنا كانت البداية لمرحلة جديدة في طبيعة النظرة للممسكين بالسلطة ، فكان لزاما عليهم التناغم مع هذا التطور بالفكر المجتمعي خشية خسارة مكانتهم و الخروج من نعيم السلطة خالين الوفاض ، بدأ التقارب في بادئ الامر مع هذا التوجه الشعبي المتطور من قبل السلطة الدينية ، فلا يجب ان يخفى على احد و لا يجب على كل موضوعي ان يصادر حق الناس ، ذلك ان من طالب بالتغيير و طرد الوجوه الكالحة و محاسبتها و محاكمتها هو الشعب اول من دعى الى ذلك و ليست اي سلطة اخرى بل ما حدث هو محاكاة هذا التوجه من اجل الحفاظ على مكاسبهم و خشية كشف زيفهم و مدى استفادة السلطات من بعضها البعض ، نعم بعد الضغط الشعبي و التوجه نحو المحاسبة الفعلية ، نادت السلطة الدينية بالتغيير و كان هذا بمثابة الانذار للسلطة السياسية ان قوموا بما يريد الشعب و انصتوا له .
حينها حملت الاحزاب السياسية شعارات التغيير و كان ميدانها في التطبيق هو انتخابات 2018 ، كل مراقب و متابع يرى و يلمس بكل وضوح ان الاحزاب جميعها قد حملت هذا الشعار و تغنت به ، فأصبح من يريد كسب عطف الناخب و صوته ، هو ذاك الذي يحمل بين طياته اكبر عدد ممكن من المرشحين الجدد ! ، مرشحين جدد معظمهم يتسمون بالخواء و ضآلة الفكر السياسي و انعدام الرؤية للتصحيح و عدم القدرة على التعبير حتى ! ، مرشحين جدد يتسمون بالتناقض في نظرتهم للتغيير و هل يدخلون الانتخابات من اجل ان يكونوا جزءا من حكومة ام معارضة ! ، فبحكم تعدد البرامج السياسية التي تعنى بالشأن الانتخابي في هذه الفترة ، رأيت العجب العجاب من المرشحين الذين يعلق الشعب آماله عليهم ، التناقض يظهر في ان المرشح التابع لكتلة معينة  يحمل افكار و رؤى و تطلعات تخص طبيعة المشاركة في الحكومة من عدمها و موقفهم من رئيس السلطة الحالية و غيرها من الامور ، هذه كلها تختلف جملة و تفصيلا عما يحمله زميله في ذات الكتلة !! . اي تغيير نتوسم فيه خيرا و المرشحين تظهر اعلاناتهم في قنوات تأخذ على الثانية الواحدة الآف الدولارات ! ، من اين لكم كل هذا ! و هل تدفعون كل هذه المبالغ الخيالية من اجل خدمتنا يا ترى ؟!!
ان التغير في وعي الشعب لم يقابله الا تغيرا في اساليب المكر و الخداع من قبل الساسة ، بديل التغيير لا زال منعدما ، فالتغيير ابدا لم يقصد به تبديل الوجوه الخاوية التي هي بالاصل عبارة عن دمى لا اقل و لا اكثر ،  انما كان التغيير معقودا عليه العزم بإزالة كل الطبقة السياسية من جذورها و الاتيان بشخوص مستقلة في قوائم مستقلة و بتوجهات مستقلة لا غاية لها غير خدمة الشعب و الحفاظ على امنه و استقراره .

Written by 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.